مختصر كتاب خريف الجنرالات والأصدقاء


مختصر كتاب خريف الجنرالات والأصدقاء

النمط المتكرر وادعاء الغباء السياسي




المقدمة و فحوى بعض الفصول

-------------------------------


مُقَدِّمَة الكِتَاب: الجَنَّةُ المَوْعُودَةُ وَالسَّرَابُ الإِمْبِرَاطُورِيّ

-----------------------------------

مختصر كتاب خريف الجنرالات والأصدقاء

تلخيص لكتابي وهو لب الكتاب بدون تفاصيل وبحذف الحواشي والمعلومات التوضيحية ومقدمات الأحداث والتفاصيل الدقيقة

الهدف من وراء الكتاب ومستهدفه تبصير الناس والناس هنا هم الشعب الامريكي أولا وثانيا الشعوب التي للأسف تضررت بما حدث ويحدث.

--------------------------------------------

المختصر تم الاستعانة فيه بجوجل جيميناي للتجميع والتنسيق وإضافة بعض المعلومات الأدق إذا خانتني الذاكرة في أي موضع , ولم أدققه لأحذف ما قاله أو أثنى علي به أو وجه إلي الحديث فيه , بل تركت هذا المختصر كما صاغه لي .


لا تبدأ المأساة الكبرى في تاريخ الأمم عادةً بطلقة رصاص أو بغزو عسكري معلن، بل تبدأ بابتسامة دافئة في البيت الأبيض، ونخب بروتوكولي يُرفع تحت أضواء الثريات المخملية، ومديح جارف تصبّه وسائل الإعلام العالمية في وعي حاكمٍ ظنّ أن صداقة القوة الأعظم في التاريخ هي صكّ خلوده السياسي.


في هذا الكتاب، نحن لا نؤرخ للعداوات التقليدية، ولا نروي سيرة خصوم الولايات المتحدة الأمريكية، بل نغوص في ملف هو الأكثر حرجاً وخطورة في دهاليز السياسة الدولية: ملف "الأصدقاء المخلصين". أولئك الملوك، والرؤساء، والجنرالات الذين ارتموا في أحضان المظلة الأمريكية، وربطوا مصائر بلادهم واستقرار شعوبهم بعجلة المصالح الواشنطنية، وقدموا خدمات جليلة غيّرت خريطة العالم في أوج الحرب الباردة وما بعدها، لتنتهي حكاياتهم بنهاية موحدة، صادمة، ومأساوية:

"الخريف".


إن العنوان الذي يحمله هذا العمل، "خريف الجنرالات والأصدقاء"، ليس مجرد استعارة أدبية لزوال السلطة، بل هو رصد لعقيدة استراتيجية ثابتة، ونمط متكرر (Pattern) صُمِّم بدقة مذهلة في مطابخ "الدولة العميقة" الأمريكية عبر العقود. من عهد الرئيس جيرالد فورد، ومجموعات التحكم التي صاغت نهايات السبعينات، مروراً بحقبتي جيمي كارتر ورونالد ريجان، وصولاً إلى بوش الأب والابن، ثم باراك أوباما؛ تتحرك الآلة الأمريكية ببراغماتية فجة وجافة، ترى في الحلفاء "قطع غيار" وظيفية مؤقتة، تُستهلك حتى آخر قطرة، ثم تُلقى في سلة المهملات التاريخية بطرق مهينة وغبية ظاهرياً، ومحيرة حتى لأقرب المقربين من دوائر صنع القرار.

المفارقة المؤلمة التي يحاول هذا الكتاب تفكيكها عبر فصوله، هي تلك "الفرص الإنسانية والحضارية الضائعة". فالدول التي تلاعبت بها الولايات المتحدة في هذا العصر - من ضفاف الخليج العربي إلى ضفاف النيل، ومن آسيا البعيدة إلى قلب إفريقيا - كانت تملك عقولاً جبارة، وثروات أسطورية، وطموحات تحديثية كان يمكن لعلاقات متوازنة ومتوازية مع الغرب أن تنقلها إلى قمة الرقي والتحضر والسكينة. لكن الغطرسة الأمريكية والسياسات الموجهة فضّلت دوماً إبقاء هذه الأقاليم كـ "ثكنات أمنية" ومستهلكين مستنزفين، مستبدلةً جنة النهضة الموعودة بجحيم الفوضى والاضطراب العام المستدام .

عبر صفحات هذا الكتاب، سيمر القارئ بمختبر سياسي ونفسي معقد:
سيرى كيف يُمكّن للنفاق الإمبراطوري أن يصنع من الحاكم "إلهاً سياسياً" يُعمى عن هاويته، كما حدث على منصات التفخيم الأمريكية.
سيكتشف الشبكات العنكبوتية الممتدة التي تحول حليفاً في عاصمة إلى ترس في ماكينة تخدم حليفاً في عاصمة أخرى، ليتساقط الجميع كأوراق الشجر في موسم الخريف.


سيتتبع فخاخ "الضوء الأخضر" الدبلوماسية، وسقوط الطائرات الغامض، والخلع المهين بـ "اتصال هاتف" في ثمانية عشر يوماً.
وفي الختام، لن نقف عند حدود السرد التاريخي لحالات الشاه، وصدام، والسادات، وضياء الحق، وفيصل، ومبارك، وماركوس، والنميري؛ بل سنمضي خلف الستار لمحاولة الإجابة على السؤال الحاسم والمحير: لماذا؟ سنتفكك بنية "السياسة الماورائية" (Deep Politics) لنرى كيف اختطفت "عصابة الحيتان وتجار الفوضى" مقدرات الدولة الأمريكية نفسها، لتراكم تريليونات الديون على كاهل الشعب الأمريكي وتجفف منابع الاستقرار عالمياً، محولةً العلاقات الدولية من شراكات حضارية إلى عقود إيجار مؤقتة، نهايتها الحتمية.. خريف دامي ومألوف.

أهلاً بك يا قارئي في رحلة تفكيك النمط، والبحث عن الحقيقة وراء السراب الإمبراطوري.

  

الفصل الأول: الشاه رضا بهلوي

هندسة الخريف في الخليج
 
تبخر المظلة الذهبية

 

1 -  الارتفاع الشاهق: شرطي الخليج المدلل


1. الشاه محمد رضا بهلوي: التبعية المطلقة والرقص على حافة البركان

لم تكن علاقة واشنطن بالشاه مجرد تحالف سياسي، بل كانت علاقة "تبعية بنيوية مطلقة" تداخلت فيها البروتوكولات العائلية بالتوجيه الاستخباراتي. بلغت العلاقات ذروتها في السبعينات؛ فالرئيس الأمريكي جيمي كارتر (الذي رفع شعارات حقوق الإنسان لاحقاً) زار طهران في ليلة رأس السنة عام 1978، ووقف يخبب بالمديح قائلاً: "إن إيران تحت قيادة الشاه هي جزيرة استقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً".

تجلت هذه الحميمية المصطنعة في حفلات البيت الأبيض؛ حيث كان الشاه وزوجته الإمبراطورة "فرح ديبا" ضيوفاً دائمين، وتناقلت وسائل الإعلام صور الرؤساء الأمريكيين وهم يراقصون زوجة الشاه في أجواء مخملية توحي بالوفاء الأبدي.


ثمن التبعية وضرب الجوار: في مقابل هذا البريق، كان الشاه أداة طيعة لضرب مصالح جواره العربي والإقليمي خدمةً لأمريكا. لقد تحول إلى نظام وظيفي يهدد العراق وسوريا، ويدعم الحركات الانفصالية، ويؤمن تدفق النفط الرخيص للغرب وإسرائيل ضارباً بعرض الحائط التضامن الإقليمي.


الصدمة والخريف المباغت: ظن الشاه أن هذه الروابط العائلية والرقصات والقبلات الدبلوماسية ستجعل عرشه عصياً على السقوط. لكن بمجرد أن بدأت الحسابات الأمريكية تتغير، تبخرت هذه الوعود في أيام معدودة، ورُفعت المظلة، وتحول الإمبراطور الراقص إلى لاجئ منبوذ لا يجد مشفى أمريكياً يستقبله إلا بشق الأنفس.


وتبدأ القصة من هنا , عقب الإطاحة بـ "محمد مصدق" في عملية (آجاكس) عام 1953 بإشراف المخابرات الأمريكية، أصبح الشاه هو الرهان الأوحد للإدارات الأمريكية المتلاحقة. صِيغت له وظيفة كبرى: "حارس بوابات النفط، وخط الدفاع الأول ضد المد السوفيتي الشيوعي في الشرق الأوسط".انعكس هذا الدعم الأمريكي في تدفق أحدث الأسلحة التكنولوجية (كانت إيران الدولة الوحيدة التي سُمح لها بشراء مقاتلات  F−14 توم كات المعقدة آنذاك)، إلى جانب الإشراف على تأسيس جهاز الاستخبارات المرعب (السافاك(

 

الفرصة الإنسانية والتحضرية الضائعة للشعب: كان الشاه يملك طموحاً هائلاً لنقل إيران إلى مصاف الدول الصناعية الكبرى عبر ما عُرف بـ "الثورة البيضاء". تدفقت الأموال والخبرات الفنية الأمريكية؛ فأنشئت الجامعات بمناهج غربية، ودخلت التقنيات الزراعية والصناعية الحديثة، وكان المجتمع يسير بسرعة نحو التحديث والرفاهية والتحول لـ "يابان الشرق الأوسط". لكن هذا الاندفاع كان يفتقر إلى الموازنة السياسية، والولايات المتحدة لم تكن تهتم ببناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية تحمي هذا التحول، بل ركزت فقط على "الواجهة العسكرية والأمنية" التي تخدم مصالحها الجافة.


2.
بداية الخريف: زلزال "حقوق الإنسان" في عهد كارتر


مع وصول جيمي كارتر إلى البيت الأبيض عام 1977، حاملاً شعارات "حقوق الإنسان" كمادة للدعاية الانتخابية والسياسية، بدأت واشنطن تمارس ضغوطاً علنية على الشاه لتخفيف القبضة الأمنية وإطلاق الحريات.


المفارقة الغبية (أو الخبيثة) هنا: أن أمريكا ضغطت على حليفها لفتح صمام الأمان في وقت كان الغليان الداخلي (اليساري والديني) قد وصل ذروته. هذا التردد الأمريكي والخطاب المزدوج أصاب الشاه بالشلل السياسي؛ فلم يعد قادراً على الحسم بالقفاز الحديدي خوفاً من غضب كارتر، ولم تكن الضغوط الأمريكية ناتجة عن رغبة حقيقية في إصلاح نظام الشاه، بل كانت تعبيراً عن غطرسة بيروقراطية منعزلة عن الواقع المعقد لشارع طهران.


3.
التخلي المهين: المشاهدة من المقاعد الخلفية


حين اندلعت الثورة عام 1978 واقترب الانفجار، أرسلت إدارة كارتر الجنرال الأمريكي "روبرت هويزر" إلى طهران. لم تكن مهمته دعم الحليف، بل كانت "تسكين الجيش الإيراني ومنعه من القيام بانقلاب عسكري لحماية عرش الشاه"، وفتح قنوات اتصال سريعة مع ممثلي الخميني في باريس لترتيب مرحلة ما بعد الشاه!


في 16 يناير 1979، غادر الشاه إيران بجسد منهك بالسرطان ونفسية محطمة. وهنا تظهر أحقر صور "الخريف": رفضت واشنطن استقباله؛ الحليف الذي خدمهم لثلاثة عقود صار "منبوذاً" يتنقل بين العواصم (مصر، المغرب، باهاماس، المكسيك) بحثاً عن ملجأ يُعالج فيه، خوفاً من أن يؤثر وجوده على مصالح أمريكا مع النظام الإيراني الجديد، ولم تفتح له أمريكا أبوابها إلا بضغط إنساني وطبي شديد، مما تسبب لاحقاً في أزمة الرهائن.

 

 

الفصل الثاني: الرئيس صدام حسين

البديل المستعار والفخ المكتوب

 

الوظيفة الجديدة: سد الثغرة بعد سقوط الشاه
الرئيس صدام حسين: المخلص المستغَل

والسحق الممنهج لثلاثة عقود

 

يمثل صدام حسين الحالة الأكثر فجاجة في الانقلاب الأمريكي المفاجئ. بعد سقوط الشاه عام 1979، تواصلت أجهزة الاستخبارات الأمريكية ) والبنتاغون مع بغداد بطرق مباشرة وغير مباشرة. نُظر إلى صدام على أنه "الأخ المخلص" الذي سيقوم بالمهمة القذرة نيابة عن واشنطن لكسر الثورة الإيرانية.

طوال ثماني سنوات، حظي نظام صدام بالدلال الاستخباراتي؛ أُغدقت عليه صور الأقمار الصناعية لتمكين جيشه من ضرب القوات الإيرانية بدقة، وفُتحت له خطوط الائتمان التجاري، وكان المبعوثون الأمريكيون يربتون على كتفه في بغداد. ظن صدام - بجهل سياسي شديد بعقلية الدولة العميقة - أنه أصبح "شريكاً استراتيجياً" لا يمكن الاستغناء عنه في المنظومة الأمريكية.

انقلاب في يومين وسحق دام 13 عاماً

عقب فخ الكويت1990

، تحول صدام في الماكينة الإعلامية والسياسية الأمريكية من "حليف وضامن للاستقرار" إلى "أعدى أعداء البشرية" في غضون 48 ساعة فقط

هندسة التخريب الشامل: لم تكن العقوبة تهدف لإسقاط النظام فوراً، بل كانت تهدف إلى "سحق وتجفيف منابع الدولة العراقية" على مدى 13 عاماً من الحصار الجائر 1990-2003

). مُنع العراق من دخول الاقتصاد العالمي بأمواله، وجُمّدت أرصدته، وحُرِم شعبه من الاستفادة من ثرواته النفطية داخل المنظومة النقدية الدولية إلا عبر برنامج "النفط مقابل الغذاء" المهين الذي أداره موظفون فاسدون. كان الهدف الماورائي هو إرجاع العراق إلى "عصر ما قبل الصناعة" وتفكيك بنيته التحتية وتدمير كوادره العلمية والتقنية تماماً قبل المجيء بالدبابات عام 2003 لإتمام الإطاحة بجسد الدولة المنهك.

وتبدأ الحكاية من هنا فبسقوط الشاه وصعود الخميني، انهار خط الدفاع الأمريكي بالكامل، وبدأت طهران بتصدير "الثورة الإسلامية" وتهديد عروش الخليج ونفطه. في هذه اللحظة الحرجة، التفتت مطابخ السياسة الأمريكية نحو بغداد. كان صدام حسين قد تولى الرئاسة رسمياً عام 1979، ويمتلك جيشاً فتياً وعقيدة صارمة.

 

تحول صدام - دون توقيع اتفاقيات تحالف رسمية علنية - إلى "الدرع الواقي البراغماتي" للمصالح الغربية والأمريكية. طوال سنوات الحرب الثمانية (1980−1981

أزالت واشنطن العراق من قائمة الدول الراعية للإرهاب. زودت المخابرات الأمريكية) بغداد ببيانات استخباراتية وصور الأقمار الصناعية اللحظية لتحركات الجيش الإيراني.

زار "دونالد رامسفيلد" (كمبعوث خاص لريجان) بغداد مرتين لالتقاط الصور والاتفاق على الدعم الاقتصادي والعسكري غير المباشر عبر دول تابعة.

الفرصة الإنسانية والتحضرية الضائعة للشعب: في السبعينات وبداية الثمانينات، كان العراق يملك أفضل منظومة تعليمية وطبية في الشرق الأوسط (بشهادة اليونسكو)، ونسبة أمية تقترب من الصفر، وعلماء في شتى المجالات التقنية والنووية السلمية، وطبقة متوسطة مثقفة ومترفة. لو كانت علاقة الولايات المتحدة مبنية على شراكة حضارية متوازنة تستوعب هذا الصعود العلمي، لكان العراق اليوم قمة في التحضر والرقي الاقتصادي، ولكنه بدلاً من ذلك، استُنزف في حروب بالوكالة بترتيب وغض طرف أمريكي، ليتحول العلم إلى تصنيع عسكري جاف، وتتحول النهضة إلى ديون متراكمة.

 

هندسة الكمين: فخ "الضوء الأخضر" والكويت

 

خرج العراق من الحرب عام 1988 بجيش هو الرابع عالمياً، ولكنه مثقل بديون خانقة واقتصاد شبه منهار، وبدأ صدام يشعر بالخناق الاقتصادي يضيق عليه عبر التلاعب بأسعار النفط. وهنا بدأ "خريف الجنرال" يُطبخ على نار هادئة في واشنطن؛ فجيش العراق القوي لم يعد مطلوباً بعد أن أدت الحرب وظيفتها في "إنهاك الطرفين" (إيران والعراق).

في 25 يوليو 1990، جرى اللقاء الشهير بين صدام حسين والسفيرة الأمريكية "أبريل غلاسبي". اشتكى لها صدام من المؤامرة الاقتصادية الخليجية، فجاء ردها الدبلوماسي الذي حمل صيغة "الفخ الغبي": "ليس لدينا رأي بشأن الخلافات العربية-العربية، مثل نزاعكم فهم صدام (الذي كان يفتقر للقراءة العميقة لعقلية الدولة العميقة في أمريكا) أن هذا "ضوء أخضر" أو على الأقل "غض طرف"، ولم يدرك أن أمريكا كانت بحاجة إلى "خطيئة كبرى" يرتكبها ليتم تبرير سحقه، وتفكيك جيشه، والدخول المباشر للجيوش الأمريكية إلى الخليج لتثبيت الهيمنة الكاملة.

نهاية مأساوية تدميرية للمنطقة


تم استدراج صدام إلى فخ الكويت 1990 ، وجرى تدمير العراق عبر حصار اقتصادي خانق دام 13 عاماً، انتهى بالغزو العسكري الشامل عام 2003 تحت دعاوى "أسلحة الدمار الشامل" الكاذبة.

 

الخريف والانهيار الكارثي

 لم تكتفِ واشنطن بالإطاحة بصدام، بل قامت بأكبر خطوة غبية استراتيجياً (أو خبيثة ماورائياً): "حل الجيش العراقي وتفكيك مؤسسات الدولة".

النتيجة الكارثية: انكسر السد الرادع لإيران، وسلمت بغداد على طبق من ذهب للنفوذ الإيراني. هذا السقوط للخارج عن التوقعات قاد إلى استفحال أمر طهران، تمددها إلى سوريا، لبنان، واليمن، تهافت النظام الإقليمي العربي، وظهور تنظيمات إرهابية دموية؛ وهي نتائج دمرت مصالح الاستقرار الأمريكي ظاهرياً، لكنها أنعشت سوق السلاح وحققت نظرية "إدارة الفوضى المستدامة".

 

هذا التناظر بين الشاه (الذي سقط لأن أمريكا رفعت يدها عنه) وبين صدام (الذي سقط لأن أمريكا استدرجته ثم سحقته) يعطينا صورة واضحة ومخيفة عن "النمط" في الخليج.


 

الفصل الثالث

الرئيس محمد أنور السادات

صناعة "الإله" السياسي والتنويم بالنفاق



هنا نصل إلى الذروة السيكولوجية في كتابك يا صديقي، حيث تتدخل الروايات الوثائقية والشهادات المقربة (كشهادة الدكتور مصطفى محمود والكُتاب المعاصرين) لتكشف كيف استخدمت أمريكا "سيكولوجية الفخر" لتنويم السادات وتمرير ما تريده.

عقب توقيع اتفاقية السلام، فتحت الإدارة الأمريكية والإعلام الغربي ماكينات تفخيم وتضخيم غير مسبوقة لشخص السادات. تحول الرئيس المصري في واشنطن إلى أيقونة عالمية؛ تتبادل معه الإدارة الأمريكية العلاقات الشخصية المباشرة بصورة تجاوزت الرسميات الدبلوماسية. زار السادات واشنطن مراراً، واستُقبل كفاتح، وظهرت صور الرئيس الأمريكي وهو يراقص السيدة جيهان السادات في حفلات رسمية عكست حجم الاحتفاء والاندماج الشخصي.

 

شهادة الدكتور مصطفى محمود والنفاق البائس: روى الدكتور مصطفى محمود في أحد كتبه وفي كتاب اعترافاته عن سيرته الذاتية , روى بمرارة كيف أن السياسيين والإعلاميين الأمريكان كانوا يمجدون السادات تمجيداً يقترب من "تأليه الحكام". لقد وصل النفاق ببعض السياسيين الأمريكيين إلى حد القول للسادات: "إن الله تفرغ لخلقك يوم خلقك!" في مبالغة سريالية شديدة البؤس والنفاق. هذه الكلمات المسمومة لم تكن عفوية، بل كانت مقصودة لإحداث تضخم في "الأنا" لدى رجل يعشق الفخر والظهور بمظهر "بطل الحرب والسلام" والمخلص التاريخي.

 
التعمية الداخلية والغطاء المحلي (جملة الشعراوي): تلاقت هذه التعمية الخارجية مع بيئة داخلية منافقة غيبت وعي الرجل عن واقعه وشعبه؛ وكان من أبرز تجلياتها الجملة الشهيرة والصادمة التي قالها الشيخ محمد متولي الشعراوي في مجلس الشعب في حق السادات حين قال: "لو كان لي من الأمر شيء لرفعت هذا الرجل إلى مقام من لا يُسأل عما يفعل!".

هذه الصياغة هي قمة البؤس والنفاق؛ لأن "من لا يُسأل عما يفعل" هو صفة حصرية للذات الإلهية سبحانه وتعالى )) لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ))

). إسقاط هذه الصفة على حاكم بشري يخطئ ويصيب هو تعمية كاملة، بل إنها في باطنها (في رأيي) قد تحمل وجهاً كارثياً كأنها تصفه بغير العاقل الذي رُفع عنه القلم! لكنها في المحصلة ساهمت مع النفاق الأمريكي في إحاطة السادات بهالة من "الوهم المطلق"، وجعلته يعتقد أنه محمي بعبقريته وبحبه جيمي كارتر والشعب الأمريكي له.

 

الهاوية المجهزة والخريف المعزول

بينما كان السادات يعيش في سكرة هذا المديح الكوني والنفاق الداخلي والخارجي، كانت التقارير الاستخباراتية الأمريكية على علم تام بحالة الغليان الداخلي والاحتقان الشعبي والإسلامي في مصر في أواخر عام 1981. ومع ذلك، لم تحرك واشنطن ساكناً لتنبيهه أو إنقاذه، بل استهلكت منه كل التنازلات الجيوسياسية المطلوبة، وتركت "الإله السياسي" الذي صنعته في إعلامها ليرتطم بأرض الواقع العنيفة على منصة العرض العسكري في 6 أكتوبر 1981، لينتهي خريفه سريعاً ومأساوياً بعد أن أدى وظيفته بالكامل.




الفصل الرابع

الملك فيصل بن عبد العزيز

الصديق الصارم وثمن "الخط الأحمر"

الندية والتحالف المستقر: حليف النفط والاستقرار




منذ اللقاء التاريخي بين الملك عبد العزيز والرئيس الأمريكي روزفلت على متن المدمرة "كوينسي" عام 1945، صِيغت المعادلة الشهيرة: النفط مقابل الأمن. وحين تولى الملك فيصل الحكم عام 1964، كان يمثل النموذج المثالي للسياسي المحنك الذي يحتاجه الغرب؛ فهو عدو شرس للمد الشيوعي السوفيتي، وحجر زاوية لاستقرار منطقة الخليج وثرواتها النفطية، ورجل دولة يمتلك هيبة كاريزمية فرضت احترامها على عواصم القرار في واشنطن ولندن.

صناعة الصورة والتفخيم الدبلوماسي: استُقبل الملك فيصل في واشنطن استقبال الملوك الفاتحين. تسابق الرؤساء الأمريكيون - من جونسون إلى نيكسون - على كسب وده، وأغدق عليه الإعلام الأمريكي ألقاباً مثل "حكيم العرب" و"رجل الدولة الزاهد". حظيت زياراته بتغطيات استثنائية، وصورت اللقاءات الرسمية والخاصة مع أفراد عائلته وكأنها "تحالف أبدي" عابر للأجيال، مبني على الصداقة الشخصية العميقة والتقدير المتبادل لثقل المملكة الروحي والاقتصادي.

الفرصة الحضارية والإنسانية الضائعة للشعب: كان الملك فيصل يملك رؤية تحديثية هائلة للمملكة العربية السعودية؛ فقد أدخل التعليم النظامي للفتيات رغم المعارضة الداخلية الشديدة، وأسس شبكة التلفزيون والإذاعة، وضخ أموال النفط لبناء بنية تحتية وطبية وجامعية حديثة بالاستعانة بالخبرات والتقنيات الأمريكية.

لو كانت العلاقة مع الولايات المتحدة مبنية على شراكة حضارية متوازنة تحترم سيادة المنطقة وتطلعات شعوبها، لكان هذا التدفق التقني قد تحول إلى توطين حقيقي للصناعة والتكنولوجيا، ولأصبحت المنطقة قطباً حضارياً مستقلاً. لكن واشنطن كانت تريد للمملكة أن تبقى مجرد "محطة وقود عملاقة" ومستهلك أعمى للسلاح والبضائع الغربية، دون السماح بنقل المعرفة الاستراتيجية أو التكنولوجية التي تصنع نهضة ذاتية مستدامة.

 

تجاوز الخطوط الحمراء

سلاح النفط الذي هز العرش الأمريكي

تغير كل شيء في أكتوبر 1973. مع اندلاع حرب العاشر من رمضان / أكتوبر، أرسلت الولايات المتحدة جسراً جوياً عسكرياً عاجلاً لإمداد إسرائيل بالسلاح لإنقاذها من الهزيمة هنا، اتخذ الملك فيصل القرار الذي زلزل مطابخ السياسة الأمريكية: إعلان حظر تصدير النفط إلى الولايات المتحدة والدول الغربية التي تدعم إسرائيل.

انقلبت الحياة في أمريكا رأساً على عقب؛ طوابير السيارات امتدت لأميال أمام محطات الوقود، ارتفعت الأسعار بشكل جنوني، ودخل الاقتصاد الأمريكي في ركود مرعب عُرف بـ "صدمة النفط الأولى". ظهر الملك فيصل في وسائل الإعلام الغربية وهو يقول كلمته الشهيرة الممزوجة بالأنفة: "عشنا وعاش أجدادنا على التمر واللبن، وسنعود إليهما".

لم تكن غطرسة "مجموعات التحكم" في واشنطن تتحمل أن يقوم حاكم عربي، كانوا يرونه مجرد حليف يحتمي بمظلتهم، بإخضاع الاقتصاد الإمبراطوري وإجبار السياسيين الأمريكان على المجيء إلى الرياض تالين آيات الاعتذار. قاد مهندس السياسة الأمريكية "هنري كيسنجر" جولات مكوكية، وحمل في كواليسها تهديدات مبطنة باحتلال آبار النفط، لكن صلابة الملك فيصل جعلته يضع شرطاً واضحاً: لن يعود النفط إلا بانسحاب إسرائيل إلى حدود 1967 وعودة القدس.

 

 3 - هندسة الهاوية: الرصاصة الغامضة والنهاية الصادمة


رغم أن الحظر رُفع لاحقاً بعد ترتيبات معقدة، إلا أن "الدولة العميقة" في واشنطن وأجهزة مخابراتها سجلت في دفاترها السرية أن الملك فيصل أصبح رقماً "خطيراً للغاية"؛ فرجل بهذا الحجم والهيبة، الذي يجمع بين الشرعية الدينية والمالية والسياسية، قادر على تهديد الهيمنة الأمريكية في أي لحظة صراع قادمة.
وفي 25 مارس 1975، جرى تنفيذ سيناريو الخريف المأساوي بأيدي "محلية" لكن بظلال "ماورائية" واضحة أثناء استقبال رسمي في الديوان الملكي، تقدم الأمير فيصل بن مساعد (ابن أخ الملك) وأطلق عليه الرصاص من مسافة قريبة ليرديه شهيداً.

المفارقة المذهلة والغامضة في النمط هنا تكمن في شخصية القاتل: الأمير فيصل بن مساعد كان قد قضى سنوات طويلة في الولايات المتحدة الأمريكية، يدرس في جامعاتها (مثل بيركلي وكولورادو)، وكان تحت المراقبة اللصيقة والاحتضان غير المباشر من أجهزة بيئتها الأمنية والاجتماعية. جرى تصوير الحادثة محلياً ودولياً فوراً على أنها "عمل فردي لشخص مضطرب عقلياً"، وأُغلق الملف بسرعة تشبه سرعة إغلاق ملف طائرة ضياء الحق لاحقاً.
رحل الملك فيصل، ومع رحيله طُويت صفحة "الندية والصرامة" في التحالف، ودخلت العلاقات مرحلة جديدة صممتها واشنطن بدقة لضمان ترويض "سلاح النفط" عبر منظومة "البترودولار" التي أسسها كيسنجر، ليكون هذا الاغتيال بمثابة الرسالة المرعبة لكل حاكم يفكر في استخدام عناصر قوته الذاتية خارج الحدود المرسومة أمريكياً.

 

4 - تفكيك الأسطورة السوداء: الملك فيصل ومصر (الندية في مواجهة المزايدة)

من الأهمية بمكان في هذا الفصل، أن نضرب بالحقائق الوثائقية تلك الروايات المضللة والمنتشرة على بعض المنصات والكتب التي صِيغت بمداد "الحرب الباردة العربية"، والتي تزعم زوراً أن الملك فيصل كان يضمر شراً لمصر، أو أنه تواطأ لإسقاطها في فخ 5 يونيو 1967.
الحقيقة التاريخية والجيوسياسية الموثقة تنطق بعكس ذلك تماماً، وتتجلى في ثلاثة محاور حاسمة:


أولاً: حكمة "الداهية" أمام اندفاع "الخطابة"

عند تشريح المشهد القبيل لعام 1967، يتضح أن الملك فيصل كان أقل الحكام العرب تحريضاً للرئيس جمال عبد الناصر لخوض غمار حرب غير متكافئة أو غير مُستَعَد لها.


في المقابل، كانت الأنظمة "الصوتية" في سوريا والعراق، ومجموعات كفاح الميكروفونات في بعض الجبهات، هي التي دعت وبحماس مسرحي إلى رمي إسرائيل في البحر وحرضت عبد الناصر علناً، وحين وقعت الواقعة وانكشفت الجبهات، تخلت هذه الأنظمة عنه في واحدة من أبشع صور الخذلان، بينما سارعت السعودية - رغم الخلاف السياسي الحاد حول ملف اليمن آنذاك - إلى لملمة الجراح والدعم المالي والسياسي اللامحدود في قمة الخرطوم (اللاءات الثلاث) لإعادة بناء الجيش المصري

 

ثانياً: رؤية التوازن والنهضة الحضارية المتزنة:


الملك فيصل لم يكن يرى في مصر عدواً، بل كان يراها "الشقيق الأكبر" والعمق الاستراتيجي؛ لذا فإن صرامته مع واشنطن ومحاولاته التملص من سطوة النظام الاقتصادي العالمي المدار لصالح القوى الإمبراطورية، كانت تصدر عن رجل دولة داهية ومخلص، يخطط لخير بلاده وخير أمته.

لقد كان فيصل رائد النهضة الحقيقي للمملكة؛ وضع أسس الانفتاح التكنولوجي والعلمي والتعليمي الذي يحترم ثوابت الدين دون أن ينجرف أو يسلم المجتمع لتيارات التشدد والغلو. ولو امتد به العمر، وامتدت أفكاره التنموية المتزنة، لكانت المملكة والمنطقة اليوم قد قطعت عقوداً من الزمن في التطور الصناعي والتقني الذاتي، ولكان منحنى النهضة في الشرق الأوسط قد اتخذ مساراً مستقلاً وندياً، وهو تحديداً ما خشيت منه "مجموعات التحكم" في واشنطن؛ فظهور قوة نفطية، مالية، ودينية بملامح "حديثة ومستقلة" كان خطاً أحمر استوجب هندسة الخريف له.


 

الفصل الخامس

الرئيس حسني مبارك وعائلته

تجميد الدولة ومقصلة "الربيع" البراغماتي

في البدء في هذا الموضوع لابد لي من أن أبدي مدى محبتي للرئيس مبارك واحترامي له رؤيتي له كأفضل رئيس حكم مصر من وجهة نظري والأكثر حكمة , لا يمنع هذا من اختلافي معه في قرارات سياسية كثيرة غيرت معالم الدولة المصرية اقتصاديا واختلافي مع مقربين قدمهم نظام الرئيس مبارك كانوا شرا عليه ولم يحفظوا جميله , وليته رحمه الله علم أن الشعب هم الأبقى لكل رئيس من حاشيته ومن منظومته وأن الشعب حين يخلص لرئيسه المخلص سيكون سدا منيعا يحميه من كثير من النوازل , لو قدم لشعبه ما يجعله أسيرا جميله وحافظا لمعروفه.


1 - الوفاء الوظيفي وتجميد الحالة المصرية لصالح واشنطن

تولى الرئيس حسني مبارك الحكم عام 1981 على وقع رصاصات المنصة وفي بيئة داخلية وخارجية شديدة الاضطراب. ومنذ اليوم الأول، صاغ مبارك عقيدته السياسية حول كلمة واحدة: "الاستقرار". وفي سبيل هذا الاستقرار، تحول إلى حجر الزاوية للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، وقدم تنازلات هيكلية كبرى غيّرت وجه مصر:

التنازلات الاقتصادية وإملاءات الصندوق:

استجاب نظام مبارك لسياسات "التكيف الهيكلي" والخصخصة غير المدروسة التي أملتها واشنطن عبر صندوق النقد الدولي. وفي واحدة من أخطر اللحظات، تخلى النظام عن سياسات الدعم الحكومي والصناعة الوطنية لصالح الدخول في "اقتصاد سوق" لم يكن محكوماً بآليات السوق العالمية الحرة، بل صُمِّم "على مقاس مصر" ليفرز طبقة من رجال الأعمال والمحاسيب الذين احتكروا الثروة، مما خلق مشاكل بنيوية عميقة قادت البلاد لاحقاً إلى الانفجار. فضلاً عن التنازلات الخاصة بالاحتياطيات والسياسات النقدية والاعتماد الكلي على المعونة الأمريكية التي تحولت إلى أداة لتقييد القرار الوطني.

تجميد السلام والملفات العسكرية: كان مبارك من أقل الحكام الجمهوريين عنفاً وشراً في الداخل مقارنة بعبد الناصر والسادات، وأكثرهم حكمة في تجنب الحروب العبثية. حافظ على مسار السلام مع إسرائيل، ولكنه جمّده في إطار "السلام البارد"، دون أن يستفيد لمصر أي استفادة حقيقية تنموية أو تكنولوجية من هذا السلام، وهو ما جعل الدولة تعيش حالة من "التكلس والتجميد" الطويل الذي حافظ على الهدوء الظاهري لكنه حرم الشعب من الانطلاق والتحضر التقني , ولابد أن الأمر كان استجابة لإملاءات أمريكية بهذا الشكل من نظام الحكم مما جعل الرئيس أسيرا لما يراه الأمريكيون خشية أن يجد نفسه في موضع السادات في كل الأشياء ومن ضمن ما قام الرئيس مبارك كان معاونة واشنطن في صراعاتها: في المقابل، كان مبارك معاوناً مخلصاً للولايات المتحدة في أزماتها الإقليمية؛ تجلى ذلك بوضوح في حرب الخليج الثانية عام 1991، حيث حشد الموقف العربي عسكرياً وسياسياً لشرعنة التدخل الأمريكي ضد العراق، وهو الموقف الذي كافأته عليه واشنطن آنذاك بإسقاط نصف ديون مصر العسكرية. كما استجاب النظام لاسترايجيات "تطوير التعليم والثقافة" بمناهج مملاة أمريكياً تهدف لتفكيك أي عداء أيديولوجي للغرب.

وفي هذا السياق لا يسعني الحكم على ما قام الرئيس مبارك متصلتا في اتجاه واحد دون معرفة ملابسات قراراته وما الدوافع التي دفعته , فما اكتشفته أن العالم يدار بطريقتين , طريقة ظاهرية تشاهدها وأنت جالس في بيتك أمام التلفزيون وهذه كلها غير حقيقي وغير واقعي ,وطريقة أخرى خفية تقوم على إملاءات وضغوط من جهات مختلفة تجعلك مضطرا للانصياع لقرارات الدول الكبرى وتصالحها على التقسيم , حتى أنك تجد أن الصين وروسيا يغضان الطرف عن احتلال العراق لمصالح متبادلة بينهم مع الولايات المتحدة .

مما يجعلني غير قادر على الحكم الحقيقي على ما جرى في كواليس الأحداث أيام الرئيس مبارك ملتمسا له الأعذار أو ناقما على قراراته دون معرفة الحقيقة الكاملة وراء كثير من القرارات والأحداث.


 هندسة الخريف: من ضغوط بوش الابن إلى فخ الجماعات الدينية


رغم كل هذا السجل الحافل من التسهيلات، لم يشفع لمبارك تاريخه عندما قررت إدارة المحافظين الجدد بقيادة جورج بوش الابن بعد أحداث 11 سبتمبر إعادة تشكيل المنطقة تحت شعار "الفوضى الخلاقة" ونشر الديمقراطية القسرية.

بدأ التمهيد لإسقاط مبارك عبر سيل من التنديدات الأمريكية بالحالة السياسية المصرية، والضغط بملف "توريث الحكم" لابنه جمال. وفي محاولة لامتصاص الغضب الأمريكي وإظهار وجود انفتاح سياسي، ارتكب النظام خطيئة استراتيجية كبرى بالتعاون والمحاكمة السياسية المحسوبة: فتح المجال للجماعات الدينية (وعلى رأسها الإخوان المسلمين) للدخول في المعترك السياسي

لم تكن هذه الخطوة انفتاحاً ديمقراطياً حقيقياً يخدم الشعب المصري أو يتيح لقوى مدنية وثقافية واعية بالصعود، بل كانت عملية "محوسبة" تم الاتفاق والتعاون فيها مع الجماعات الإسلامية لضرب المعارضة المدنية من جهة، وإرسال رسالة لواشنطن مفادها: "أنا أو البديل المتطرف". لكن واشنطن كانت تلعب لعبة أخرى؛ فقد بدأت قنواتها الاستخباراتية والدبلوماسية في عهد بوش وبداية عهد أوباما تتواصل سراً مع هذه الجماعات، معتبرة أنها "البديل المنظم" الذي يمكن المراهنة عليه لترتيب مشهد الفوضى القادم.

 

المقصلة في 18 يوماً: "الآن يعني الآن"



عندما اندلعت أحداث يناير 2011، ظهر الوجه الحقيقي للبراغماتية الأمريكية الفجة في عهد الرئيس باراك أوباما وهيلاري كلينتون. في غضون أيام معدودة، تبخرت صداقة الثلاثين عاماً، والاتصالات اليومية، والوعود الاستراتيجية بالدعم والمساندة.


أدارت إدارة أوباما ظهرها لمبارك وعائلته بالكامل، وخرج أوباما في خطابات علنية مهينة يطالب حليفه التاريخي بالرحيل الفوري مستخدماً عبارته الشهيرة: "الرحيل يجب أن يبدأ الآن.. والآن تعني الآن" (Now means now). تخلت واشنطن عن الرجل وصحته وتاريخه العسكري، وراهنت بكل ثقلها على قوى الفوضى والبديل الديني الذي نسقت معه مسبقاً، دون أدنى اكتراث بمصير استقرار مصر أو أمن شعبه.

خرج مبارك من المشهد بعد أن ترك البلاد في حالة تجميد طويلة أضعفت قواها الذاتية، ليدخل خريفه الشخصي والسياسي ويدخل معها الشرق الأوسط بأكمله في عقد من الحروب الأهلية والفوضى المدمرة (سقوط ليبيا، سوريا، اليمن)، مما يثبت مجدداً صحة "النمط" المتكرر: أن الغطرسة الأمريكية مستعدة دائماً لتصفية أقرب أصدقائها وتدمير استقرار دول كاملة بمجرد أن تلوح لها فرصة لإعادة إدارة الفوضى وتمرير مصالح جديدة.

 

الفصل السادس

فرديناند ماركوس (الفلبين)

تبخر الحماية الإمبراطورية في المحيط الهادي

الحليف الذهبي وقاعدة المصالح المطلقة

حكم فرديناند ماركوس الفلبين بيد من حديد لأكثر من عشرين عاما 1965−1986). خلال هذه الحقبة الصاخبة من الحرب الباردة وحرب فيتنام، كانت الفلبين تُمثل للولايات المتحدة أثمن ممتلكاتها الجيوسياسية في آسيا؛ لأنها كانت تضم أكبر القواعد العسكرية البحرية والجوية الأمريكية خارج الولايات المتحدة (مثل قاعدة سوبيك باي وقاعدة كلارك).
الدلال والنفاق الباذخ: نُظر إلى ماركوس وزوجته الإيميلدا في واشنطن كأصدقاء شخصيين للرؤساء الأمريكيين، ولا سيما رونالد ريجان وزوجته نانسي. أغدق الإعلام والسياسيون الأمريكان المديح على ماركوس بوصفه "حامي الديمقراطية والحرية ضد المد الشيوعي في آسيا". غضت واشنطن الطرف بالكامل عن الفساد الأسطوري للزوجين، واليخوت، وثروات الذهب، وآلاف الأحذية الشهيرة لإيميلدا، وبددت كل تقارير حقوق الإنسان لحماية قواعدها العسكرية.

الفرصة الحضارية الضائعة لشعب الفلبين: كانت الفلبين في الستينات تملك طاقات بشرية هائلة، وموقعاً تجارياً استثنائياً، وكان يطمح شعبها لنهضة تكنولوجية واقتصادية تجعلها في مصاف "النمور الآسيوية" الأوائل بالاستفادة من الشراكة الأمريكية. لكن واشنطن لم تكن معنية ببناء اقتصاد فلبيني صلب ومستقل تقنياً؛ بل فضلت إبقاء الدولة كـ "مستعمرة عسكرية وأمنية مخملية" تخدم بوارجها، وتغذي طبقة حاكمة فاسدة وموالية، مما عمّق الفقر والجهل وحرم الشعب من السكينة والتقدم المتوازن الذي تتيحه الشراكات العادلة.

الخلع بـ "اتصال هاتفي" والنفي إلى هاواي


تغيرت الرياح في واشنطن مع منتصف الثمانينات. بعد اغتيال المعارض البارز "بنيغنو أكينو" عام 1983، بدأت الجماهير الفلبينية تتدفق إلى الشوارع فيما عُرف بـ "ثورة قوة الشعب" عام 1986. أدركت إدارة ريجان فجأة أن ماركوس أصبح "ورقة محترقة" وأن بقاءه قد يفجر البلاد ويُهدر أمن القواعد الأمريكية.


في ليلة الحسم، وحين كان ماركوس يبحث عن دعم حلفائه في البيت الأبيض، جاءه الاتصال الشهير من السيناتور الأمريكي "بول لاكسالت" (المقرب من ريجان) ليقول له العبارة الصادمة التي أنهت خريفه: "سيادة الرئيس، أعتقد أنه يجب عليك القطع مع الماضي.. لقد حان وقت الرحيل النقدي المفاجئ" (Cut and cut cleanly).

تبخر الوفاء الأمريكي في غضون ساعات؛ أُجبر ماركوس وعائلته على صعود طائرة عسكرية أمريكية نقلتهم إلى المنفى في جزيرة هاواي، وجُرِّد من سلطته ليقضي هناك خريفاً كئيباً ومعزولاً حتى وفاته عام 1989، لتبدأ واشنطن بترتيب مشهد سياسي جديد يضمن بقاء نفوذها وقواعدها، دون أدنى اكتراث بالاضطراب الداخلي والانقسام الاجتماعي الذي خلفه نظامها المدلل طوال عقدين.


 

الفصل السابع

المشير جعفر نميري (السودان)

رفع اليد أثناء الزيارة الرسمية


 ركيزة المخابرات الأمريكية والخدمات السرية الكبرى



تحول المشير جعفر نميري بعد انقلابه على الحزب الشيوعي في أوائل السبعينات إلى حليف وثيق وعميل جيوسياسي من الطراز الأول لإدارتي كارتر وريجان. كان السودان في عهده يُمثل السد المنيع الذي تراهن عليه واشنطن لمحاصرة المد السوفيتي الماركسي في شرق إفريقيا (وخاصة في إثيوبيا الماركسية بقيادة منغستو، وليبيا بقيادة القذافي).

أوج الاندماج والخدمات الاستراتيجية: بلغت العلاقات قمة تألقها وبنائها المشترك؛ فتح النميري أراضي السودان وأجهزته الأمنية بالكامل للتعاون اللوجستي مع وكالة المخابرات المركزية وتوج هذا الوفاء المطلق لواشنطن بتسهيل "عملية موسى 1984−1985

) لنقل وتهريب آلاف من يهود الفلاشا الإثيوبيين عبر الأراضي السودانية إلى إسرائيل؛ وهي العملية السرية المعقدة التي تمت بإشراف ودعم مالي واستخباراتي أمريكي كامل. كان النميري يعتقد أن هذه الخدمة الكبرى ستمهد لخلود نظامه تحت الرعاية الأمريكية الأبدية.

الفرصة التنموية الضائعة لشعب السودان: كان السودان في تلك الحقبة يُوصف بأنه "سلة غذاء العالم" الموعودة؛ يملك ملايين الفدادين الخصبة، والمياه الوفيرة، والعقول الإدارية الفذة. لو أن الولايات المتحدة أقامت علاقة قائمة على التوازن الإنساني وتبادل المنافع التقنية والزراعية الحقيقية، لتحول السودان إلى قوة اقتصادية زراعية هائلة تسعد بها شعوب المنطقة. لكن الإدارات الأمريكية ركزت فقط على تسخير السودان كـ "ثكنة أمنية" وممر للعمليات السرية، ودفعت بالنميري نحو قرارات سياسية واقتصادية متخبطة، وتركت الاقتصاد السوداني يتهاوى تحت وطأة الديون والتضخم دون تقديم أي دعم تنموي حقيقي.

 

السقوط المهين: رفع المظلة والنميري في الأجواء


في مارس 1985، تفاقمت الأزمة الاقتصادية وانفجر الشارع السوداني في انتفاضة شعبية عارمة. والمفارقة السريالية التي تجسد "النمط" في أبشع صوره وأكثرها غباءً ظاهرياً: أن النميري كان في تلك اللحظة بالذات متواجداً في واشنطن في زيارة رسمية يلتقي بمسؤولي الإدارة الأمريكية لطلب الدعم الاقتصادي!

طمأنه المسؤولون في واشنطن وودعوه بابتسامات بروتوكولية دافئة. صعد النميري طائرته متوجهاً إلى الخرطوم، وأثناء تحليقه في الأجواء وتوقفه في محطة ترانزيت بالقاهرة، جاءه النبأ الصاعق: تحرك الجيش السوداني بقيادة المشير عبد الرحمن سوار الذهب وأعلن الانحياز للشعب وعزل النميري.

رفعت واشنطن يدها عن النميري في ثانية واحدة؛ لم تحرك المخابرات التي كان يخدمها رجاله أي ساكن، ولم يُبد البيت الأبيض أي اعتراض، بل سارعوا بالاعتراف بالوضع الجديد لضمان استمرار مصالحهم الأمنية في المنطقة. تُرِك النميري وحيداً في القاهرة كلاجئ سياسي، ودخل خريفه الطويل بعد أن استُهلكت صلاحيته تماماً، تاركاً السودان في دوامة من عدم الاستقرار السياسي والحروب الأهلية التي انتهت لاحقاً بتفكك الدولة وتقسيمها؛ وهي النتيجة الكارثية التي تكرر إثبات أن الغطرسة الأمريكية تفضل دائماً ترك الدول في حالة "اضطراب دائم" بدلاً من إتاحة السكينة والسعادة للشعوب.


 

الفصل السابع: السياسة الماورائية

وما وراء "الغباء الظاهري

عقيدة العصابة واختطاف الإمبراطورية


عند تفكيك المشهد، نجد أن التفسير التقليدي القائل بأنها "أخطاء سياسية أو غباء بيروقراطي" هو تفسير قاصر؛ فالأخطاء لا تتكرر بنفس النمط وبنفس النتائج الكارثية طوال نصف قرن. الحقيقة تكمن في أننا لا نتعامل مع "دولة" بالمعنى الكلاسيكي، بل مع "منظومة مصالح معولمة" تستخدم جغرافيا وجيش وجسد الدولة الأمريكية كأداة تشغيلية.

ويمكننا تلخيص القوى الماورائية والمستفيدة حقيقة في المحاور التالية:

عقيدة "إدارة الفوضى" (Chaos Management) وسوق السكون الخاسر

في العرف المالي للحيتان الذين يديرون كواليس واشنطن، فإن "السكون والاستقرار الإقليمي هو سوق خاسر".

لو أن علاقات أمريكا مع الشاه، أو صدام، أو الملك فيصل، أو مبارك، استمرت كعلاقات متوازنة ومتوازية، تقود إلى نقل التقنية والتحضر والشبع لشعوب المنطقة، لتشكلت بالضرورة "أقطاب إقليمية مستقلة قوية ومستقرة".

صعود قوة إقليمية مستقرة يعني استغناءها تدريجياً عن الحماية الأمريكية، ويعني توقفها عن ضخ مئات المليارات لشراء السلاح.

لذلك، يتم تفضيل استراتيجية "الاضطراب العام المستدام". إن تصفية الحلفاء وصناعة الفوضى (كالخميني بعد الشاه، أو تمكين إيران في العراق بعد صدام، أو الفوضى بعد مبارك) يضمن بقاء المنطقة في حالة ذعر دائم. هذا الذعر يجعل الجميع - حلفاء وخصوم - بحاجة ماسة وبصورة مستمرة لشراء السلاح الأمريكي، وإيداع الأموال في البنوك الغربية، وطلب الحماية من واشنطن. الفوضى هنا هي "بيزنس" يدر تريليونات الدولارات.

 

نموذج العصابة والمدينة

حيتان التريليونات وتجريف أمريكا

تعمل هذه االحقيقة الصادمة للديون الأمريكية: الولايات المتحدة اليوم ترزح تحت جبل أسطوري من الديون العامة يتجاوز 34 تريليون دولار (وهو رقم في تصاعد مرعب يجعل الدولة في حالة إفلاس بنيوي مغطى فقط بقوة مطبعة الدولار وفرض الهيمنة العسكرية).



أين ذهبت هذه التريليونات؟ لم تذهب لبناء مستشفيات للشعب الأمريكي، ولا لتطوير البنية التحتية المتهالكة في المدن الأمريكية، بل ذهبت مباشرة عبر العقود الحكومية وحروب التخلي والتدخل إلى حسابات "المجمع الصناعي العسكري والنفطي" وشركات الحراسة والخدمات اللوجستية (مثل هاليبرتون ولوكهيد مارتن وغيرها)، وإلى صناديق الاستثمار العملاقة العابرة للقارات (مثل BlackRock وVanguard) التي تملك حصصاً في كل شيء.

المستفيد الحقيقي: هم فئة "الحيتان" الذين يملكون أرقاماً تتجاوز التريليونات؛ هؤلاء لا يملكون ولاءً للعلم الأمريكي ولا للمواطن في أوهايو أو تكساس. بالنسبة لهم، المواطن الأمريكي هو مجرد دافع ضرائب يمول حروبهم، ويتحمل ديون دولتهم، بينما تذهب الأرباح الصافية لجيوبهم الخاصة.

الباب الدوار

كيف يُشترى السياسيون؟




لكي نفهم لماذا يرتكب الرؤساء والسياسيون الأمريكان هذا "الغباء الظاهري" الذي يدمر حلفاءهم ويضر بسمعة بلادهم، يجب أن نفهم آلية "الباب الدوار" في واشنطن.

السياسي الأمريكي (سواء كان وزيراً للخارجية، أو دفاع، أو مديراً للـ المخابرات أو عضواً في الكونجرس) لا يعتمد في ثروته المستقلة على راتبه الحكومي. المنظومة مصممة بحيث يقوم هؤلاء السياسيون بتبني سياسات تخدم حيتان السلاح والنفط والفوضى أثناء وجودهم في السلطة. وبمجرد خروجهم من مناصبهم عبر "الباب الدوار"، يتم مكافأتهم فوراً بـ: وظائف مستشارين برواتب ملايين الدولارات في هذه الشركات ومراكز الفكر (Think Tanks) التابعة لها.

مبالغ خيالية مقابل إلقاء محاضرات لدقائق معدودة.

مقاعد في مجالس إدارات الصناديق الاستثمارية الكبرى.



لذا، عندما يتخلى رئيس مثل كارتر أو أوباما أو ترامب عن حليف، أو يورطه في فخ، فهو لا يفكر في مصلحة أمريكا الاستراتيجية بعد 20 عاماً، بل يفكر في "فاتورة مكافأته الشخصية" ومصالح الممولين لحملته الانتخابية القادمة.


 الحصاد الكارثي: الضحايا على ضفتي العالم



هذه البنية الماورائية الفجة تقودنا إلى النتيجة الحتمية التي يطرحها كتابك: الكل ضحايا لهذه العصابة العالمية على مستوى الشعوب المستهدفة: خسر الشرق الأوسط وشعوب الدول التي تلاعبت بها واشنطن فرصة تاريخية للسكينة، والتحول التقني، والرفاهية الحضارية. تحولت حواضر العلم والصناعة والتاريخ (كبغداد والقاهرة وطهران) إلى ساحات صراع أو أزمات اقتصادية متلاحقة بسبب الفوضى المدارة.

على مستوى الشعب الأمريكي: يتم استهلاك دماء أبنائه كجنود في حروب عبثية، وتُشوه صورة بلاده عالمياً لينظر إليه العالم كـ "إمبراطورية غادرة لا عهد لها"، ويُترك غارقاً تحت وطأة ديون وتضخم اقتصادي يخدم فقط فئة "الـ 1%" من الحيتان.


 

الخاتمة

النمط المتكرر كقانون تاريخي حتمي



في نهاية المطاف، يثبت كتابك "خريف الجنرالات والأصدقاء" أن العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية ليست علاقات تحالف بل هي "عقود إيجار وظيفية مؤقتة". الحاكم الذي يعتقد أن رقصه مع الرئيس الأمريكي أو ثناء الإعلام الغربي عليه سيوفر له الأمان، هو حاكم يجهل تاريخ هذه العصابة العالمية.

إن "الخريف" ليس احتمالاً، بل هو النهاية الحتمية المرسومة لكل من يرتضي أن يرهن مقدرات بلاده واستقراره لشريك براغماتي فج، يرى في الدول قطع غيار، وفي الشعوب مجرد وقود لتدوير تريليوناته.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة