راكب الأسد ـ البرامكة ـ نكبتهم وثروتهم

 

راكب الأسد - البرامكة ونكبتهم وثروتهم
------------------


لمن لم يقرأ كتاباتي الأولى عن راكب الأسد أذكره سريعا , أن راكب الأسد , هو الشخص الذي اقترب من السلطة أو تولاها سوا ء كان وزيرا أو كان سلطانا أو خليفة , ثم أدت الأحداث أن ينزل عن منصبه هذا ويتم محاسبته وتدقيق حساباته واستخلاص أمواله , وليس دائما ما يكون راكب الأسد هذا ظالما فأحيانا يكون عادلا جدا , ولكن الأحداث تدور وفق ما قدر الله وربما لأنه لم يحذر دوران الأيام وتشابك الأحداث والمؤامرات . ----------------------- ------------------------------------------------- -------------------------- البرامكة --------------------- اليوم حديثنا سيكون عن راكب الأسد جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي وعن عائلة البرامكة كلهم الوزراء أيام هارون الرشيد ومن قبله أيام أجداده , --------------------- تعريف بالبرامكة أول ابتداء دخولهم قصر الخلافة كان في عهد المنصور في عهد الجد / خالد بن برمك , الذي كان وزيرا للخليفة العباسي أبو جعفر المنصور , والتحق به ابنه يحيى بن خالد بن برمك حتى أن الخليفة ولاه أذربيجان رعاية ومحبة منه له , وقد كان خالد البرمكي رجلا فارسيا وزيرا دقيقا حاسبا كاتبا والخليفة يستشيره في أغلب أموره وكانت آراء خالد هي الأصح عادة ولكن لا يأخذ بها الخليفة المتسلط أبو جعفر , وككل الفرس كان الكائدون عندما لا يجدون لهم تهمة يتهمونهم بها , كانت هناك تهمتان جاهزتان دائما للناجحين من الفرس للإيقاع بهم الأولى وهي الطعن في أديانهم بأنهم يبطنون المجوسية وهي تهمة رخيصة ليس عليها دليل في أغلب الأحوال , والتهمة الثانية , هي محبة آل البيت والتشيع لهم , وهي أيضا تهمة رخيصة وغريبة خاصة في دولة نشأت من باطن الدعوة العلوية الخاصة بآل البيت وسرقتها وأقامت نفسها على أنقاضها بل وعلى جثة أبناء آل البيت ومحبيهم ولذا كانت دولة دموية شريرة أغلب الوقت كما سنرى. --------------- اتهموا خالدا البرمكي بالتهمتين معا والتهمتان لا يجتمعان أبدا في قلب فمن أحب آل البيت فأنى له أن يكون على دين غير دين صاحب البيت صلى الله عليه وسلم . استمرت الأسرة في النمو والتصاعد الصالح بدون أخطاء , فمن الجد خالد البرمكي أتى ولده يحيى البرمكي ليكون وزيرا ومشيرا لدى محمد المهدي بن المنصور ولدى ولده موسى الهادي بن المهدي وأخو هارون الرشيد و كان يحيى البرمكي يربي للمهدي ولده هارون الرشيد فنشأ هارون في بيت يحيى البرمكي كولد له وكان يناديه بأبي من شدة المحبة والتعلق بالأسرة التي أفاضت عليه من محبتها الكثير ولأنه كان مجايلا لأبناء يحيى , الفضل وجعفر فصاروا أصدقاء وإخوة , وحين أراد الخليفة موسى الهادي إقالة أخية من ولاية العهد ليوليه ولده أشار عليه يحيى البرمكي بأن لا يفعل حتى لا تكون سنة في دولة الخلافة من بعده , واستجاب موسى الهادي وترك أخاه ليتولى من بعده وحفظ هارون الرشيد ليحيى هذه اليد , فولاه كل شئونه أو كما كانوا قديما يكتبون ( ولاه ما وراء بابه ) ومعنى هذا أنه يدير الدولة بإذن الخليفة ولصالحه وكان يحيى أمينا على هارون وعلى الخلافة فكانت في أزهى عصورها في عهد هارون ومن ورائه يحيى البرمكي , ثم جعفر الذي كان شقيق روح هارون وكأنه توأمه , لا يأكل ولا يشرب ولا يخرج للتنزه إلا في صحبة جعفر البرمكي , وفي كل ذلك كان البرامكة يزدادون نجاحا وغنى بالإخلاص في العمل وإنجاح الدولة فكان نجاح الدولة نجاح لهم أيضا وكان دخل الدولة يزداد بإعمارهم وإدارتهم فلابد أن يعم الخير على الناس وأولهم الخليفة ومن يدير له الدولة الوزير يحيى وابنيه الفضل وجعفر , فزادت أموالهم زيادة كبيرة جدا جدا جدا , حتى أنهم كانوا يفرجون على آل بيت الخليفة أنفسهم , فمما يحكى أن ابن عم للخليفة اضطر لبيع جواهر نسائه لشدة احتياجه للمال وذهب لجعفر البرمكي ليشتري منه جواهره ووضعها في مغلف وطلب من جعفر شراءها فسأله جعفر عن الثمن المطلوب فقال له ألف ألف دينار (مليون دينار) فاشتراه منه جعفر وقال له سأرسل المال إلى بيتك , وحين عاد الأمير العباسي إلى بيته وجد أن جعفرا البرمكي أرسل إليه المال المطلوب وزيادة عليه كبيرة وأيضا رد إليه جواهره هدية من جعفر حتى لا يضطر الأمير إلى بيع جواهر نسائه , ------------------ فهل هذه نفس خبيثة أو رديئة نفس هذا البرمكي الطيب , الذي جاد بالمال جودا استحال أن يكون نظيره إلا عند كبار الصالحين والمؤمنين الربانيين , تفسيري الشخصي أن ما فعله جعفر إن دل فيدل على نفس سوية صالحة ليس بها من ضغائن ولا فساد ولا شرور مما يوحي بها القصص الرديئ الذي تتناقله بعض الكتب عن البرامكة كذبا . --------------------------- نكبة البرامكة -------------- الحكايات عن سبب النكبة كثيرة لدرجة غريبة تدل على أن أغلبها كذب صراح , فمن يقول أن البرامكة كان موالين لآل البيت وكانوا يؤون الفارين منهم , وأن الرشيد وصل إليه أن جعفرا أجار أحدا من آل البيت وأبلغه مفرا يفر فيه من يد الخليفة الذي كان يشق عليهم ويذبح من يستطيع ذبحه منهم . ولذا قرر الخليفة الإيقاع بالبرامكة وأوقعهم ------------------------ وسبب آخر أن يحيى بن خالد البرمكي الأب دخل على هارون الرشيد بدون استئذان فغضب هارون من ذلك غضبا شديدا , فاعتذر خالد البرمكي اعتذار كبيرا وقال يا أمير المؤمنين لم يكن بيننا هذا الأمر من الاستئذان من قبل فما الذي غير عادتك علي وزيرك المحب , وهل يصح هذا السبب من خليفة لوزير كان يناديه أبي . --------------- وقصة أخرى أن هارون الرشيد خرج إلى بلاد فارس غازيا فكل ما مر على قصر أو مزرعة فاخرة قيل له أنها ملك للبرامكة وتكرر الأمر كثيرا حتى أن الخليفة استشعر خطرا من كل هذه الأملاك التي يملكونها , ولا أدري ما العجيب في أمر هذه الأملاك لمن يستغربونها , فثلاثة أجيال من رئاسة الوزراء لجد ثم لأب ثم لحفيد , خالد البرمكي ثم ابنه يحيى البرمكي ثم ولديه الفضل وجعفر , ألا يكون لهذه السنوات الطوال ثمنا , فلو كانت لدى تاجر يستثمر أمواله لكان لديه الكثير , فما بالنا بوزراء متحكمين حتى يكادون يكونون هم الحاكم الفعلي للدولة وبأمر الخليفة وبعلمه المريب أن لا يكون لديهم هذه الأموال عن كدهم وإدارتهم الناجحة والظاهر جدا نجاحها حتى أن عصر وجود هؤلاء الوزارء هو العصر الذهبي للخلافة العباسية على الإطلاق بعدها بدأت في الانحدار والتقسيم للباحث المريد أن يبحث ذلك. ------------- سبب آخر غريب ومريب أيضا وهو المروي في مسلسل هارون الرشيد الذي مثله المرحوم نور الشريف والفنانة عبلة كامل , حيث أظهر البرامكة كمتآمرين ومختطفين ولصوص في وقائع غريبة ومريبة لم أكن أتمنى أن يسردها أحد بهذا الشكل المفكك والمفبرك في وجهة نظري , والمسلسل ساق سببين لنكبة البرامكة الأول : هو اختطاف زوجة غامضة للخليفة وابنه منها وعائلتهم وترحيلهم بعيدا عن الخليفة وإبعادهم وتهديدهم ليظلوا بعيدا عن الخليفة حتى لا يكون ابنه المختفي هذا خليفة جديدا من بعده. والسبب الثاني : هو تطلع جعفر البرمكي للزواج من الأميرة العباسة أخت هارون الرشيد , وهي أيضا أسباب واهية وسخيفة وتدل على العنصرية الفجة والسخيفة أيضا أولا جعفر عاش في القصر مع هارون ولم يكن في يوم بعيدا عن القصر حتى يظهر للخليفة رغبته في الزواج من أخته , ثانيا القصة تروى أنه تزوجها فعلا وأنجب منها دون علم الخليفة في كتب أخرى غير التي نقل عنها مؤلف المسلسل وكلها قصص مفبركة وغير صحيحة. ولو أنها صحت فلا أظن أنها تستدعي أن يتم إهلاك عائلة من الوزارء الأفضل في تاريخ الدولة العباسية بهذه الصورة الظالمة لمجرد زواج أميرة عباسية من وزير هو الأحب والأقرب والأنجح في عائلته وهو جعفر البرمكي فإن لم يكن لجعفر أن يتزوجها فمن يتزوجها إلا لو كان الأمر عنصرية عربية ضد الفرس فسحقا للعنصرية الغبية ومن واقع المحبة بين جعفر وهارون الرشيد فأرى أن هارون الرشيد لو رأى من أخته ميلا لجعفر لزوجه هو بنفسه إليه . -------------------- وأخيرا وجهة نظري ومن وقائع العائلة العباسية : ما جرى للبرامكة من هارون الرشيد شيء طبيعي جدا في تاريخ العباسيين الدموي البشع مع أنصارهم قبل أعدائهم ومع مادحيهم قبل قادحيهم فبداية من الوزير والأمير أبو مسلم الخراساني الذي قام الخليفة أبو جعفر المنصور بقتله والتشنيع في قتلته وتشويه ذكراه بالأكاذيب والتلفيقات عن دينه وعن معتقداته وخاصة أن أبا مسلم هذا كان داعيا لآل البيت في البداية ثم انتقل لنصرة العباسيين بعد ذلك ليقيم لهم الدولة من الجذور ليجازوه وانتصر في الحروب ثم أخذ السلطة وسلمها لعبدالله السفاح بنفسه وبيده فأنى يكون مستحقا لما جرى له من ذلك القتل الدموي البشع ورفع الرأس على أعمدة المدن حتى يتعظ أتباعه . إذاً الأمر متداول في هذه الدولة وهذه العائلة, بل إن الجد أبو جعفر المنصور السفاح أخو أبو العباس السفاح قام بأكبر كمية قتل لآل البيت وللعلماء والفقهاء والشعراء والأدباء لأسباب أتفه من هذه الأسباب التي أبيدت البرامكة بسببها حتى أنه قاتل أبناء العائلة العباسية أنفسهم منهم أعمامه وأبناء أعمامه , ودعوني أذكر لكم قصة بسيطة عن دموية هذا الخليفة الخبيث أبو جعفر المنصور , كان أن عم الخليفة المدعو عيسى بن علي العباسي خرج عليه مطالبا بأن يكون هو الخليفة لأنه عم الخليفة وهو الأولى بالعباس من ابن أخيه المنصور , فحاربه المنصور وانتصر عليه وحين ظفر به عفا عنه وكتب له كتاب أمان كتبه عبدالله بن المقفع الذي عمل لعيسى بن علي العباسي ووضع فيه شروطا تختلف الروايات في أنواعها منها التالي كتبه بن المقفع تأمينا لعيسى بن علي العباسي من ابن أخيه أبو جعفر المنصور فأضاف ابن المقفع عبارة في الأمان نصها: “وإن أنا نلت عبد الله بن علي أو أحدًا ممن أقدمه معه بصغير من المكروه أو كبير، أو أوصلت لأحد منهم ضررًا، سرًّا أو علانية، على الوجوه والأسباب كلها تصريحًا أو كناية أو بجبلة من الجبل، فأنا نفي من – محمد بن عبد الله – ومولود لغير رشدة، ولقد حل لجميع أمة محمد خلعي وحربي والبراءة مني، ولا بيعة لي في رقاب المسلمين، ولا عهد ولا ذمة، وقد وجب عليهم الخروج عن طاعتي، وإعانة من ناوأني من جميع الخلق. وفي كتب أخرى : وأن نسائه طوالق --- احتفظ الخليفة الدموي أبو جعفر بذكرى خطاب الأمان هذا وأضمر لابن المقفع الموت وسلط عليه والي البصرة ليقتله بتهمة , فكانت التهمة الجاهزة دائما , الزندقة وإضمار الكفر وغيرها من التهم التي كانوا يكيلونها لكل الناس فقتل والي البصرة ابن المقفع أشنع قتلة بأن قطعه وأحرقه وهو حي في مرجل ( إناء واسع) ------------ ومن بعد المنصور جاء المهدي وأيضا له تاريخ دموي بشع في قتل آل البيت والعلماء والأدباء والمفكرين ,منهم الأشهر بشار بن برد الشاعر الكفيف الذي قتله المهدي لأنه هجا أباه في قصيدته المشهور أبا جعفرٍ ما طولُ عيشٍ بدائمِ وما سالمٌ عمَّا قليلٍ بسالمِ ----------------- ---- إذا هذه طبيعة الدولة العباسية الدموية البشعة ولم يكن البرامكة بعجب من الأمر لأن يحقد عليهم الخليفة لأي أسباب فالأسباب أوسع لمن يريد أن يختلق أسبابا لمن عاونوه ونصروه وأنجحوا خلافته بإدارتهم الناجحة أن يقتلهم ويستولي على أموالهم,

--------------------

ولو أكملنا السلسلة في سلالة العباسيين فسنجد العجب العجاب من جزاء سنمار الذي كان خلفاء العباسيين يفعلونه بوزرائهم وبقادة جيوشهم حتى وصل بهم الحال أن يستولي قادة الجيوش من الفرس والترك على الخلافة ويصبح الخلفية دمية في يدهم بقية العصور القادمة إلا قليلا . -------------------- استصفي هارون الرشيد ثروات البرامكة الهائلة ونموذج عطايا جعفر البرمكي المليونية حين يعطي ألف ألف دينار لأحد وهو ما يوازي بسعر اليوم ‭34,850,000,000‬ مليار جنيه مصري 35 مليار جنيه مصري بسعر اليوم كانت هذه عطية واحدة فما يكون مقدار الثروة لدى العائلة كلها أعتقد أنها كان تريليونات واستولى عليها الخليفة ولم يكن البرامكة خونة ولا لصوصا بل كانوا أحسن وزارء في تاريخ الخلافات العربية تقريبا وأنجح فترات الخلافة الإسلامية غير الرشيدة , ولو جمعنا كمية القصور والمزارع والهدايا التي أهداها جعفر في فترة شهرته لوجدنا ملايين الدنانير فما بالنا بأبيه يحيى وبإخوته الفضل وموسى ومحمد وبقية العائلة . --------------------- هذا نموذج من نماذج راكب الأسد لم يخن لم يغدر لم يسرق ولكن تم القضاء عليه لأحقاد لدى الخليفة الحاكم نفسه وعائلته الدموية .

تعليقات

المشاركات الشائعة