القصيدة الخالدة ـ أبو الحسن الأنباري - علو في الحياة وفي المماتِ - - بحر الوافر
القصيدة الخالدة ـ أبو الحسن الأنباري
- علو في الحياة وفي المماتِ -
- بحر الوافر - في رثاء أبي طاهر بن بقية ـ
---------------
أبو طاهر بن بقية وزير من وزراء دولة بني بويه فرع العراق كان وزيرا لدى الأمير بختيار بن أحمد بن بويه وكانت دولة البويهيين في العراق دولة عدل وحضارة وتقدم وكرم سواء من البويهيين أو من وزرائهم ومنهم أبو طاهر بن بقية وكان أن استنجد بختيار أحمد بن بويه بقريبه عضد الدولة بن الحسن البويهي ضد الأتراك فساعده ثم طمع في ملكه وسجنه ولأن أبا طاهر حسبما أرى كان رجلا وفيا لأميره بختيار البويهي فانساق مع عضد الدولة البويهي تمويها حتى ملكه عضد الدولة ملكا في العراق فاستعان أبو طاهر بن بقية بعمران بن شاهين وهو أمير مناوئ لعضد الدولة فتعاضد عمران بن شاهين مع أبي طاهر وأخرجا عضد الدولة البويهي من العراق وأعاداه إلى فارس وأعادا بختيار إلى ملكه على العراق ثم أعاد عضد الدولة الكرَّة وانتصر على بختيار البويهي الذي فر إلى الأهواز ثم إلى واسط وكانت مكافأة بختيار البويهي لأبي طاهر بن بقية أن قبض عليه وعذبه حتى أفقده بصره إذ اعتبره سببا في هزيمته ثم زادت على أبي طاهر الأمور إذا بحث عنه عضد الدولة البويهي أيضا لأنه اعتبره هو من حرض عمران بن شاهين وبختيار البويهي عليه وعند قبض عضد الدولة على أبي طاهر بن بقية أمر بإلقائه تحت أرجل الفيلة ثم بعد صلبه ولم ينزل أبو طاهر حتى مات عضد الدولة وكان أن رثاه أبو الحسن الأنباري وغيره من الشعراء ومن هذه المراثي القصيدة الخالدة اليوم ـ علو في الحياة وفي الممات.
--------
كان أول لقاء لي بالقصيدة في كتاب حياة الحيوان للدميري وكتاب حياة الحيوان للدميري هو أول كتاب تراثي أمتلكه في حياتي كنت أيامها في الفترة الثانوية العامة لا أذكر بالتحديد أي عام ولكن أظن قبل العام الثالث وكتاب حياة الحيوان هو موسوعة علمية تتحدث عن الحيوانات بتفصيل دقيق عن خصائص الحيوانات وبيئتها وكثير من المعلومات حتى عن لحومها وفوائد أكلها وهكذا معلومات تفصيلية دقيقة جدا ولكن من باب الاستطراد يقوم المؤلف رحمه الله بحكي قصص أدبية وتاريخيه وفوائد تاريخية شديدة الروعة والإبداع أظنها تعد اكتشافات عملية ونظريات في التاريخ والعلوم وعندما قرأت قصيدة أبي الحسن الأنباري لأول مرة حفظتها وكانت من أوائل القصائد التي علقت في ذهني وتغنيت بها طويلا ما يقارب الثلاثين عاما وأنا أعيدها وأستعيدها وأستذكرها .
-------
والقصيدة هي رائعة من خوالد التاريخ لبديع التصوير فقد قلب أبو الحسن الأنباري كل معنى حزين وخبيث للصلب إلى معنى رفيع وسامٍ وممدوحٍ جعل صلبه تمجيدا له وتعيظما حتى أن من صلبه عضد الدولة البويهي رُوِيَ في الكتب أنه تمنى أنه صلب مكانه حتى يقال فيه مثل هذه القصيدة العظيمة , وإلى القصيدة
---------------
عُـلوٌّ فـي الحـيـاةِ وفي المماتِ
لحــقٌّ أنتَ إحــدى المــعـجـزاتِ
------
كما كنت عاليا في حياتك كذاك أنت في مماتك عالٍ وهكذا تكون المعجزات
------
كـأن النـاس حـولك حـين قاموا
وفـــود نـــداك أيــام الصــلات
كــأنــك قـائمٌ فـيـهـم خـطـيـبـاً
وكــــلهــــمو قــــيـــامٌ للصـــلاةِ
مـددتَ يـديـكَ نـحـوهـمو احـتـفاءً
كــمــدِّهِــمَـا إليـهـم بـالهـبـات
------
كأن الناس حول شجرتك التي نصبت عليها هم نفس الوافدين عليك أيام كنت تصل الناس بصلاتك وكأنك وقد بسطت يديك قائم فيهم خطيبا وهم خاشعون منتظرون أن تتم خطبتك ليقوموا للصلاة أو كأنك باسط يديك مرحبا احتفاءا وترحيبا بالقادمين ليأخذوا هباتك .
------
ولمـا ضـاق بـطـن الأرض عن أن
يــضـم عُـلاكَ مـن بـعـد الوفـاةِ
أصاروا الجو قبرَك واستعاضوا
عـن الأكـفـان ثـوبَ السـافـيات
------
وإني لأحسب أن بطن الأرض لم يتسع لعلاك بعد الوفاة فقرر صالبوك أن يرفعوك رفعة على رفعتك وعلوك فجعلوا الجو الهواء الواسع قبرك إذا ما الذي سيسع علاك إلاه واستبدلوا بالأكفان التي يكفن بها من يدفنون في الأرض بأكفان من الرياح السافيات فهي أرحب للعلا والمعالي التي هي أنت.
------
لعـظْـمِكِ في النفوسِ تبيتُ تُرعَى
بـحـرَّاسٍ وحُـفَّـاظٍ ثــُـقـــاتِ
وتـوقـَدُ حـولَكَ النِّـيـرَانُ لَيْـلاً
كَــذَلِكَ كُــنْــتَ أيَّــامَ الحُــيَــاةِ
------
ويا لله ألم يكن يحرسك الحفاظ الموثوقون أيام مجدك ووزارتك وتوقد حولك نيران المصابيح فكذاك أنت الآن يحرسك الحارسون الموثوقون ويوقدون من حول شجرتك النيران
------
رَكِــبْــتَ مــطـيـةً مـن قـبـل زيـدٌ
عـلاهـا فـي السـنين الماضيات
وتــلك قــضــيــة فــيــهــا تــأسٍ
تـبـاعـد عـنـك تـعـيـير العداة
ولم أر قـبـل جـذعـك قـط جـذعاً
تــمـكـن مـن عـنـاق المـكـرمـات
------
وليست شجرتك التي رفعوك عليها بعار على أحد فقد رفعوا عليها الأشراف والصالحين والمؤمنين فقد علاها زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم في ماضيات السنين وليتأمل المتأملون في ذلك وليتعظ الذين يعيرونك بأن رُفعت على الشجرة مصلوبا وإنه لشرف لتلك الشجرة ذاك الجذع الذي علوته إذ تمكن من أن يحتضن المكارم التي أنت نجمها وعلمها.
------
أسـأت إلى النـوائب فاستثارت
فـأنـت قـتـيـل ثـأر النـائبـات
وكـنـت تـجـير من صرف الليالي
فــصـار مـطـالبـاً لك بـالتـرات
وصــيّــر دهــرك الاحـسـان فـيـه
إليــنــا مـن عـظـيـم السـيـئات
وكــنــت لمــعـشـرٍ سـعـداً فـلمـا
مـضـيـت تـفـرقـوا بـالمـنـحـسات
------
وإني لأحسب أن نوائب الأيام بقسوتها ما أصابتك إلا لأنك كنت عدوا لها فقتلتك فأنت قتيل ثأر النائبات فقد كنت تجير من أصابتهم بسهامها وتنقذهم منها فأتت لتطالبك بثأر أنك كنت عدوها ومنقذ مصابيها وصيرت كريم صفاتك والإحسان إلى الناس منك من عظيم السيئات لدى نوائب الدهر إذا كنت سبب سعادة لأناس صاروا بعد مصابك كأنهم انقلب حظهم وسعدهم إلى تعاسة ونكد.
------
غــليــل بــاطــن لك فـي فـؤادي
يــخــفــف الدمــوع الجــاريــات
ولو أنــي قــدرت عــلى قــيــام
بــفـرضـك والحـقـوق الواجـبـات
مـلأت الأرض مـن نظم القوافي
ونــحـت بـهـا خـلاف النـائحـات
ولكــنــي أصــبــر عــنـك نـفـسـي
مــخـافـة أن أعـد مـن الجـنـاة
------
يغتلي حزني بباطني وفؤادي ولا يطفؤه إلا الدموع الجاريات وليس ذاك بمنصف لك ولا قاضٍ لك بحقك ولو كان في استطاعتي غير ذلك لملأت الأرض من نظم القوافي ونحت مع النائحات ولكن خوفي من أن يعدَّني من صلبوك من ضمن الجناة فيلحق بي من ظلمهم ما لحق بك.
------
ومــالك تــربـة فـأقـول تـسـقـى
لأنــك نــصــب هـطـل الهـاطـلات
عــليـك تـحـيـة الرحـمـن تـتـرى
بــــرحـــمـــات غـــواد رائحـــات
------
وإن الناس ليدعون لمن واروهم التراب فيقولون سقى الله فلانا وأنت لم توار ترابا فأقول سقى الله أبا طاهر وما أنت لذاك بمحتاج فأنت تحت السماء كفنك الهواء تهطل عليك الهاطلات فعليك التحيات والرحمات غوادٍ رائحات متواليات دائمات.
-----------------------
رحم الله أبا الحسن الأنباري فقد كان على ما يبدو شاعرا مجيدا ولم يبق من شعره إلا هذه القصيدة وقطع بسيطة من الشعر في رثاء أبي طاهر بن بقية رحمه الله.
-----------------------------
القصيدة الخالدة ـ أبو الحسن الأنباري
- علو في الحياة وفي المماتِ -
- بحر الوافر - في رثاء أبي طاهر بن بقية ـ
============
عـلو فـي الحـيـاة وفي المماتِ
لحــق تــلك إحــدى المــعـجـزاتِ
كـأن النـاس حـولك حـين قاموا
وفـــود نـــداك أيــام الصــلاتِ
كــأنــك قـائم فـيـهـم خـطـيـبـاً
وكــــلهــــم قــــيـــام للصـــلاةِ
مـددت يـديـك نـحـوهـم احـتـفاءً
كــمــدهــمـا إليـهـم بـالهـبـاتِ
ولمـا ضـاق بـطـن الأرض عن أنْ
يــضـم عـلاك مـن بـعـد الوفـاةِ
أصاروا الجو قبرك واستعاضوا
عـن الأكـفـان ثـوب السـافـياتِ
لعـظـمك في النفوس بقيت ترعى
بــــحــــراس وحـــفّـــاظ ثـــقـــاتِ
وتـوقـد حـولك النـيـران ليـلاً
كــذلك كــنــت أيــام الحــيــاةِ
ركــبــت مــطـيـةً مـن قـبـل زيـدٌ
عـلاهـا فـي السـنين الماضيات
وتــلك قــضــيــة فــيــهــا تــأسٍ
تـبـاعـد عـنـك تـعـيـير العداةِ
ولم أر قـبـل جـذعـك قـط جـذعاً
تــمـكـن مـن عـنـاق المـكـرمـاتِ
أسـأت إلى النـوائب فاستثارت
فـأنـت قـتـيـل ثـأر النـائبـاتِ
وكـنـت تـجـير من صرف الليالي
فــصـار مـطـالبـاً لك بـالتـراتِ
وصــيّــر دهــرك الاحـسـان فـيـه
إليــنــا مـن عـظـيـم السـيـئاتِ
وكــنــت لمــعـشـرٍ سـعـداً فـلمـا
مـضـيـت تـفـرقـوا بـالمـنـحـساتِ
غــليــل بــاطــن لك فـي فـؤادي
يــخــفــف بالدمــوع الجــاريــاتِ
ولو أنــي قــدرت عــلى قــيــامٍ
بــفـرضـك والحـقـوق الواجـبـاتِ
مـلأت الأرض مـن نظم القوافي
ونــحـت بـهـا خـلاف النـائحـاتِ
ولكــنــي أصــبــر عــنـك نـفـسـي
مــخـافـة أن أعـد مـن الجـنـاةِ
ومــالك تــربـة فـأقـول تـسـقـى
لأنــك نــصــب هـطـل الهـاطـلاتِ
عــليـك تـحـيـة الرحـمـن تـتـرى
بــــرحـــمـــات غـــواد رائحـــاتِ
تعليقات
إرسال تعليق