القصيدة الخالدة ـ ساعدة بن جؤية الهذلي ـ أَهاجَكَ مَغنى دِمنَةٍ وَرُسومُ -

 
-------------
القصيدة الخالدة ـ ساعدة بن جؤية الهذلي
ـ أَهاجَكَ مَغنى دِمنَةٍ وَرُسومُ -
-------------

-------

قصيدة ساعدة بن جؤية هذه من أوائل القصائد التي قابلتها على هذا الطراز ثم بدأت أنتبه لهذا النوع من القصائد في شعر العرب القدامى , حيث كنت أدرس في دراسات الأدب أن العرب لم يعرفوا وحدة الموضوع في القصيدة وأن قصائدهم كانت تنويعات وتذكارات ومواضيع متعددة في القصيدة الواحدة وأيضا يعيب الشعر العربي كما في رأي بعض الجهلة ممن لم يقرأوا شعرا عربيا أن العرب كانوا استطراديين في بناء قصائدهم وأن الشعر كان غناءً غير محدد التوجه ولا له بنية ولا مراد يبني الشاعر القصيدة بل مجرد استرسال مع النغم الشعري بدون نية البناء الشعري ذاته في كتاباتهم ومن يوم أن قرأت أبا العلاء وساعدة بن جؤية وغيرهم من شعراء وقد علمت أن من ساق هذه الآراء الجاهلة لتدرس لطلبة الثانوية العامة والجامعات ذات الأقسام الأدبية وخاصة في آراء المجددين في الشعر العربي من شعراء مدرسة الديوان الأستاذ العقاد وصديقه الأستاذ المازني واللاحقين من شعراء التفعيلة جاهل وقد هفت رأي هؤلاء في ظني .
فقصيدة كقصيدة ساعدة بن جؤية هذه تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن العرب كانت لهم بنية شعرية شديدة الإبداع فقصيدة ساعدة هذه تحكي عن عاشق ساق قصة عشقه لحبيبة وصوَّر صورة حبه لها كصورة حب سيدة لابن وحيد لها وكانت له قصة بطولية في نصر أمه وفي خروجه للصيد مع أصدقائه وأن أصدقاءه عادوا لأمه ليخبروها بموته ثم فجأة تم تكذيب الخبر ليجيء ابنها منتصرا غانما وفرحتها به وما بين حزنها وفرحتها كانت قصة عشق تم تصويرها بأبدع أسلوب .
وليست هذه القصيدة فريدة نسج وحدها بل هناك قصائد أخرى للشاعر نفسه ساعدة بن جؤية بل وقلده شاعر آخر بنفس الطريقة ونفس القصة ساقها الشاعر الكبير الصحابي حميد بن ثور الهلالي وأظنه كان مجايلا لساعدة بن جؤية وتلاميذه في قصيدته المشهورة : 
------------------------
حَــلَفــتُ بِــرَبِّ الراقِـصـاتِ إِلى مِـنـىً
رَفـيـقـاً وَربِّ الواقِـفينَ عَلى الحَبلِ
------------------------
ومن يومها أيضا آليت على نفسي ألا أقبل نقدا في شعر العرب قبل أن أقرأ هذا الشعر لأعلم جهل النقاد بحقيقة الشعر العربي بل إن بعضهم كان ينتقد أبيات مقتطعة من قصائد لم يكلف نفسه عناء البحث عن بقية القصيدة ليعلم أمستقحة للنقد أم لا , وكان أكثر بيت وجدت له نقدا وملاما ومعايب ذكرها النقاد القدامى أبيات مقتطعة من قصيدة لكعب بن زهير التي فيها البيت التالي 
------------------------
نزعنا بأطراف الأحاديث بيننا 
ومالت بأعناق المطي الأباطح 
------------------------
ومن قرأ القصيدة في ديوان كعب لوجد أنها قصيدة جميلة ولكنه الاقتطاع واستسهال النقد على غير معرفة وكذلك القائلين بأن القصيدة العربية لم تعرف وحدة الموضوع  والبنية الشعرية المنظمة للقصيدة إلا في العصر الحديث ما نم ذلك إلا عن جهل واضح بالشعر العربي.
و إلى القصيدة 
------------------------

أَهاجَكَ مَغنى دِمنَةٍ وَرُسومُ
لِقَيلَةَ مِنها حادِثٌ وَقَديمُ
عَفا غَيرَ إِرثٍ مِن رَمادٍ كَأَنَّهُ
حَمامٌ بِأَلبادِ القِطارِ جُثومُ
-------------
أهاجت أحزانك آثار منازل ورسوم كانت لحبيبتك قيلة جديدة هذه الرسوم وقديمة , محيت , إلا آثار من رماد متجمدة كونها ولبدها المطر فكأنها حمامات رمادية اللون تجمعت وجثمت لا تطير 
-------------
فَإِن تَكُ قَد شَطَّت وَفاتَ مَزارُها
 فَإِنّي بِها إِلّا العَزاءَ سَقيمُ
-----------------------
وقد بعدت مسافاتنا ولم أعد أراها وأنا بها سقيم حزين إلا أنني أتناسى وأعزي نفسي 
----------------------
وَما وَجَدَت وَجدي بِها أُمُّ واحِدٍ
عَلى النَأيِ شَمطاءُ القَذالِ عَقيمُ
----------------------
ومحبتي لها وحزني عليها لا أرى لها صورة إلا صورة أحزان أم له ابن واحد وحيد وقد شاب شعرها وعقمت بعد أن أنجبته وكان من صفاتها ...
----------------------
رَأَتهُ عَلى فَوتِ الشَبابِ وَأَنَّها
تُراجِعُ بَعلاً مَرَّةً وَتَئيمُ
----------------------
هذه الأم زرقت بابنها هذا في آخر شبابها وتزوجت زيجات عديدة وخرجت منها دون أن ترزق بذرية , وبعد أزواج كثيرين خرجوا من حياتها أو أخرجوها من حياتهم رزقت بوحيدها الحبيب
----------------------
فَشَبَّ لَها مِثلُ السِنانِ مُبَرَّأُ
أَشَمُّ طوالُ الساعِدَينِ جَسيمُ
----------------------
وقد كان لأجل صبرها مباركا مبرأ من العيوب كأنه رمح طويل منحوت فقد شب ضخما طويلا طويل الساعدين 
----------------------
وَأَلذَمَها مِن مَعشَرٍ يُبِغِضونَها
نَوافِلُ تَأتيها بِهِ وَغُنومُ
----------------------
وكان لهذه الحزينة من معشرها أناس مبغضون ما أكرموها فكان لولدها المبارك هذا لشدته وقوته فرق في حياتها فكأن أن ألزم مبغضيها بأن يؤدوا لها نعما ومغانم ويقسم لها في الغنائم قسمتها 
----------------------
فَأَصبَحَ يَوماً في ثَلاثَةِ فِتيَةٍ
مِنَ الشُعثِ كُلٌّ خُلَّةٌ وَنَديمُ
وَقَدَّمَ في عَيطاءَ في شُرُفاتِها
نَعائِمُ مِنها قائِمٌ وَهَزيمُ
بِذاتِ شُدوفٍ مُستَقِلٍّ نَعامُها
بِأَدبارِها جُنحَ الظَلامِ رَضيمُ
----------------------
وكان أن خرج مع صحبة من أصدقائه الأشداء إلى غابة في رأس جبل بها أماكن ظليلة بها نعام سريع فكأن يرضم بالصخور التي يحركها بأقدامه الظلام حين يجري
----------------------
فَلَم يَنتَبِه حَتّى أَحاطَ بِظَهرِهِ
حِسابٌ وَسِربٌ كَالجَرادِ يَسومُ
----------------------
وفأجأة وهو في صحبه إذا حوصروا بأسراب من الأعداء كأنهم لكثرتهم الجراد المرتب الأسراب
----------------------
فَوَرَّكَ لَينا لا يُثَمثَمُ نَصلُهُ
إِذا صابَ أَوساطَ العِظامِ صَميمُ
تَرى أَثرَهُ في صَفحَتَيهِ كَأَنَّهُ
مُدارِجُ شِبثانٍ لَهُنَّ هَميمُ
----------------------
فأخرج سيفا حادا لا ترد ضربته إذا سدده لشيء كسره حتى ولو أصاب به عظما حطمه , سيف قوي مزين منقوش إذا رأيته يحركه فكأن نقوشه وزينته تتحرك كالعقارب على صفحته اللامعة
----------------------
وَصَفراءَ مِن نَبعٍ كَأَنَّ عِدادَها
مُزَعزِعَةٌ تُلقي الثِيابَ حَطومُ
كَحاشِيَةَ المَحذوفِ زَيَّنَ ليطَها
مِنَ النَبعِ أَزرٌ حاشِكٌ وَكُتومُ
وَأَحصَنَهُ ثُجرُ الظُباتِ كَأَنَّها
إِذا لَم يُغَيِّبَها الجَفيرُ حَجيمُ
----------------------
وكذلك قوسه الشديدة المصنوعة من عيدان النبع الشديدة والسريعة كأنها الريح التي تحرك الثياب وأسهمها المصنوعة من النبع كذلك كأنها من الجحيم 
----------------------
فَأَلهاهُمُ بِاِثنَينِ مِنهُم كِلاهُما
بِهِ قارِبٌ مِنَ النَجيعِ دَميمُ
----------------------
وأصاب بعض أعداءه وألهى بهم الآخرين أثناء خروجه 
---
ثم اختفت أخباره
---------------------
وَجاءَ خَليلاهُ إِلَيها كِلاهُما
يُفيضُ دُموعاً غَربُهُنَّ سَجومُ
فَقالوا عَهِدنا القَومَ قَد حَصَروا بِهِ
فَلا رَيبَ أَن قَد كانُ ثَمَّ لَحيمُ
---------------------
وجاء صديقاه إلى أمه يبكيان مسبلين دموعهم كأنها الماء المصبوب من غرب البئر وليس من عين وأخبروها بأنهم تركوه محاصرا بين أعدائه من كل جهة وهما واثقان من أنه لا شك أكلته سيوفهم وقد هلك بينهم .
----------------------
فَقامَت بِسَبتٍ يَعلجُ الجِلدَ وَقعُهُ
يُقَبِّضُ أَحشاءَ الفُؤادِ أَليمُ
إِذا أَنزَفَت مِن عَبرَةٍ يَمَّمَتهُمُ
تُسائِلُهُم عَن حِبِّها وَتَلومُ
----------------------
فقامت حزينة ملتاعة تلطم خديها بنعلها الجلدي و أحشاء من يسمع وقع النعل على وجهها تتمزق من ما يرى ويسمع بكاءها والتياعها الحزين المتفجع وأبكت كل من سمع حتى إذا جفت عينها من كثرة البكاء جاءت تسأل عن ابنها الحبيب وتلومهم كيف تركوه هكذا وهربوا 
----------------------
فَبَينا تَـنوحُ اِستَبشَروها بِحِبِّها
عَلى حينِ أَنَّ كُلَّ المَرامِ تَرومُ
فَلَمّا اِستَفاقَت فَجَّتِ الناسَ دونَهُ
وَناشَت بِأَطرافِ الرِداءِ تَعومُ
وَخَرَّت تَليلاً لِليَدَينِ وَنَعلُها
مِنَ الضَربِ قَطعاءُ القِبالِ خَذيمُ
----------------------
وبينما هي والناس من حولها على هذه الحال إذ جاءت البشرى بأنه ما زال حيا , وذلك عين ما كانت تتمنى وكأنها كان لا زال فيها بصيص أمل أنه لا زال حيا فما كان أصدقاؤه متأكدين من أنه قد مات أمامهم , فلما أفاقت جرت بين الناس تشق جموع الناس كأن الناس ماء وهي تعوم عليه تعوم على جموعهم المحتشدة وتسبح وكأنها تجر طرف رداء الأمل الذي مد إليها بأن حِبها الحبيب ما زال حيا ومن شدة المفاجأة السعيدة خرت مغشيا عليها وبيدها نعلها الممزق الفصال من شدة ضربها لنفسها به .
----------------------
فَما راعَهُم إِلّا أَخوهُم كَأَنَّهُ
بِغادَةَ فَتخاءُ الجَناحِ لَحومُ
يُخَفِّضُ رَيعانَ السُعاةِ كَأَنَّهُ
إِذا ما تَنَحّى لِلنَّجاءِ ظَلِيمُ
نَجاءَ كُدُرٍّ مِن حَميرِ أَبيدَةٍ
بِفائِلِهِ وَالصَفحَتَينِ كُدومُ
يُرِنُّ عَلى قُبِّ البُطونِ كَأَنَّها
رِبابَةُ أَيسارٍ بِهِنَّ وُشومُ
-------------
ومن رأى ابنها وهو يجري بين مطارديه كأنه الصقر اللاحم الذي يطارد طرائده أو يحطم المطاردين كأنه ذكر النعامة الذي يجري ويصدم من يطارده فيخفض غلواء مطاردته أو كأنه حمار وحشي شديد القوة يجري وقد انتفخت عروقه ، ولم يحرم مطارديه من أسهمه الموسومة الموشومة المعلمة بعلامته لتبقى ذكراه لدى أعدائه
----------------------
أتذكرون هذه السيدة حزنها ووجدها وحبها ابنها وكيف كانت حزينة محطمة حين غاب عنها ويأست منه أن تراه ثانية فكذلك أحزاني لفراق محبوبتي وإني إن التقيت حبيبتي لكانت لي فرحة مثل فرحة هذه الأم بابنها الحبيب الوحيد.
-------------
 -------------
القصيدة الخالدة ـ ساعدة بن جؤية الهذلي
ـ أَهاجَكَ مَغنى دِمنَةٍ وَرُسومُ -
-------------
أَهاجَكَ مَغنى دِمنَةٍ وَرُسومُ
لِقَيلَةَ مِنها حادِثٌ وَقَديمُ
عَفا غَيرَ إِرثٍ مِن رَمادٍ كَأَنَّهُ
حَمامٌ بِأَلبادِ القِطارِ جُثومُ
فَإِن تَكُ قَد شَطَّت وَفاتَ مَزارُها
 فَإِنّي بِها إِلّا العَزاءَ سَقيمُ
وَما وَجَدَت وَجدي بِها أُمُّ واحِدٍ
عَلى النَأيِ شَمطاءُ القَذالِ عَقيمُ
رَأَتهُ عَلى فَوتِ الشَبابِ وَأَنَّها
تُراجِعُ بَعلاً مَرَّةً وَتَئيمُ
فَشَبَّ لَها مِثلُ السِنانِ مُبَرَّأُ
أَشَمُّ طوالُ الساعِدَينِ جَسيمُ
وَأَلذَمَها مِن مَعشَرٍ يُبِغِضونَها
نَوافِلُ تَأتيها بِهِ وَغُنومُ
فَأَصبَحَ يَوماً في ثَلاثَةِ فِتيَةٍ
مِنَ الشُعثِ كُلٌّ خُلَّةٌ وَنَديمُ
وَقَدَّمَ في عَيطاءَ في شُرُفاتِها
نَعائِمُ مِنها قائِمٌ وَهَزيمُ
بِذاتِ شُدوفٍ مُستَقِلٍّ نَعامُها
بِأَدبارِها جُنحَ الظَلامِ رَضيمُ
فَلَم يَنتَبِه حَتّى أَحاطَ بِظَهرِهِ
حِسابٌ وَسِربٌ كَالجَرادِ يَسومُ
فَوَرَّكَ لَينا لا يُثَمثَمُ نَصلُهُ
إِذا صابَ أَوساطَ العِظامِ صَميمُ
تَرى أَثرَهُ في صَفحَتَيهِ كَأَنَّهُ
مُدارِجُ شِبثانٍ لَهُنَّ هَميمُ
وَصَفراءَ مِن نَبعٍ كَأَنَّ عِدادَها
مُزَعزِعَةٌ تُلقي الثِيابَ حَطومُ
كَحاشِيَةَ المَحذوفِ زَيَّنَ ليطَها
مِنَ النَبعِ أَزرٌ حاشِكٌ وَكُتومُ
وَأَحصَنَهُ ثُجرُ الظُباتِ كَأَنَّها
إِذا لَم يُغَيِّبَها الجَفيرُ حَجيمُ
فَأَلهاهُمُ بِاِثنَينِ مِنهُم كِلاهُما
بِهِ قارِبٌ مِنَ النَجيعِ دَميمُ
وَجاءَ خَليلاهُ إِلَيها كِلاهُما
يُفيضُ دُموعاً غَربُهُنَّ سَجومُ
فَقالوا عَهِدنا القَومَ قَد حَصَروا بِهِ
فَلا رَيبَ أَن قَد كانُ ثَمَّ لَحيمُ
فَقامَت بِسَبتٍ يَعلجُ الجِلدَ وَقعُهُ
يُقَبِّضُ أَحشاءَ الفُؤادِ أَليمُ
إِذا أَنزَفَت مِن عَبرَةٍ يَمَّمَتهُمُ
تُسائِلُهُم عَن حِبِّها وَتَلومُ
فَبَينا تَـنوحُ اِستَبشَروها بِحِبِّها
عَلى حينِ أَنَّ كُلَّ المَرامِ تَرومُ
فَلَمّا اِستَفاقَت فَجَّتِ الناسَ دونَهُ
وَناشَت بِأَطرافِ الرِداءِ تَعومُ
وَخَرَّت تَليلاً لِليَدَينِ وَنَعلُها
مِنَ الضَربِ قَطعاءُ القِبالِ خَذيمُ
فَما راعَهُم إِلّا أَخوهُم كَأَنَّهُ
بِغادَةَ فَتخاءُ الجَناحِ لَحومُ
يُخَفِّضُ رَيعانَ السُعاةِ كَأَنَّهُ
إِذا ما تَنَحّى لِلنَّجاءِ ظَلِيمُ
نَجاءَ كُدُرٍّ مِن حَميرِ أَبيدَةٍ
بِفائِلِهِ وَالصَفحَتَينِ كُدومُ
يُرِنُّ عَلى قُبِّ البُطونِ كَأَنَّها
رِبابَةُ أَيسارٍ بِهِنَّ وُشومُ

تعليقات

المشاركات الشائعة