القصيدة الخالدة ـ نزار قباني ـ إليه فى يوم ميلاده
إليه فى يوم ميلاده
أول مرة تعرفت فيها على الشاعر الكبير نزار قباني كان عن طريق كتاب الأستاذ الدكتور الطاهر مكي رحمه الله ( الشعر العربي المعاصر: روائعه ومدخل لقراءته) في بداية دخولي الجامعة أعطاني أخي الأكبر الأستاذ محمد النجار رحمه الله مصروفي الشهري و ذهبت إلى الجامعة فأخبرني الزملاء أن الجامعة أقيم بها معرض كتب فتسارعنا للذهاب أنا وصحبة الجامعة ويومها اشتريت بمصروفي الشهري كله ما استطعت شراءه من الكتب ومن بينها كتاب الدكتور الطاهر مكي أحد أفضل الكتب التي حدثت في حياتي فقد كان علامة فارقة ونبراسا مهما في حياتي أولا للحكايات التي رواها الدكتور الطاهر مكي رحمه الله عن تجارب الأدب والشعر وعن أن هناك تيارا يحاول القضاء على الشعر العربي العمودي في مصر وفي بعض البلاد العربية نهائيا وكيف أن الشعراء كانوا يضطرون إلى كتابة أشعارهم على شكل يشبه الشعر الحر وساق قصائد لأهم شعراء العربية المبدعين وكانت كلها تقريبا من الشعر العمودي العربي الصحيح ونادرا ما ساق قصائد من الشعر الحر العظيم أيضا .
ومن بين هذه القصائد كانت قصيدة اليوم والتي تعرفت بها ومنها على الشاعر الكبير نزار قباني مما جعل نزار قباني عندي غير الذي يعرفه كثير من الناس على أنه شاعر الحب والغزل الكاشف والذي ربما يكون نزار نفسه رحمه الله يكون سببا في ذلك من أنه استمتع بأن يكون شاعر المرأة وغيرها من الألقاب ولكن نزار كما عرفته كان غير ذلك وكانت هذه القصيدة في الرئيس جمال عبدالناصر رحمه الله واحدة من أعظم القصائد في تاريخ العربية ومع اختلاف الكثيرين مع الرئيس عبدالناصر بعضهم كان محقا في اختلافه معه وبعضه كان متحاملا عليه وبعضهم كان مغرضا وموتورا منه وضده لكن ليكن موضوعنا القصيدة بجمالها وجمالياتها.
أبرز ما جعلني أطير بهذه القصيدة وأنشدها لنفسي أوقاتا طويلة وأراها من أجمل ما قرأت من الشعر هو هذا الجمال الذي أكثر صورة يشبهها في وجهة نظري لوحات الواقعية السحرية أو السريالية غير التجريدية في الفنون وبالذات مع الفنانين الرسامين المصورين غير التجريدين الذين يرسمون رسوما واقعية جدا ولكن بها بعض الخيال الجميل كأن ترسم ساعات متمطية على الحوائط والجدران كاللوحة الشهيرة لسلفادور دالي والكثير من هذا الفن العظيم البديع ليس مجال الحديث عنها هنا.
وهذا فن نادر في الشعر العربي ربما يمثله ويتجلى في أجلى صوره في أبيات أبي صخر الهذلي في بيتين قالهما
هم التاليان
تكاد يدي تندى إذا ما مسستها وينبت في أطرافها الورق الخُضْرُ
وإني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض العصفور بلله القطرُ
وأيضا في أبيات كثيرة لمجنون ليلى ومجنون لبنى وعروة بن حزام والعشاق العذريين وكذلك في قصائد لأبي العلاء المعري وغيرهم من الشعراء.
كقوله :
وتأبى جراحـــى أن تضــمّ شفاهها
كأن جــراح الحــبّ لا تتخثّـــرُ
-----
وأضــواء القناديـل تسهرُ
تأخّـرت .. فالسـاعات تـأكل نفسهـا
وأيامنا فــى بعضهــــا تتعثّــرُ
-----
والقصيدة كلها على هذا المنوال وأعجبها هذا التصوير الشعري الخيالي الربيعي للرئيس عبدالناصر في صور تفيض محبة وتفيض ربيعا وتفيض بهجة ليخرج من صورة الرثاء العادي الحزين عادة الذي يكون حزنا جافا في التعابير وشحيح الدمع ليكون الرثاء هنا هو قصيدة عشق بين جماهير ورئيس أحبته , وكذلك هي خارج إطار المديح المنافق الذي لن يستطيع أن يضفي على الممدوح صفات ليست فيه بل جاءت قصيدة نزار هذه خالدة كقصيدة علي بن جبلة العكوك في مدح أبي دلف العجلي ليست قصيدة مدح في ممدوح بل قصيدة ابن محب أو أخ محب أو مواطن محب في أبيه وأخيه وقائده
====================
زمانـك بستـانٌ .. وعصـركَ أخضرُ
وذكـراكَ ، عصـفورٌ مـن القلب ينقرُ
-------------
زمانك لا يزال بستانا وأنت فيه ومن بعدك وقد كان عصرك أخضر ولا زالت الخضرة تكتنفنا من بعدك وإن ذكراك في القلب تغرد فتثير أحزاننا كأنها تنقر القلب بآلام الفراق فنحن بين ألم الفراق وسعادة الذكرى الخضراء المزدهرة.
--------------
ملأنا لك الأقــداحَ ، يا مــن بِحُبّـه
سكِـرنا ، كما الصـوفىّ بالله يســكرُ
------------
تفيض بالمحبة قلوبنا وشربنا كأس محبتك حتى ثمالته فسكرنا محبة كما يسكر الصوفي بمحبة الله فيفني ذاته بإخلاص في مراد الله , مريدا المحبة بأن يكون مراد الله هو مراده ولا مراد له معه فناءا في محبة الله ليلقى درجة الإحسان بالمحبة وليس بالخوف وإن كانت المحبة غير مانعة من الخوف إلا أنها ربما تزيح الخوف جانبا ولا تمحوه.
-----------
دخلت على تاريخنـــا ذات ليلـــةٍ
فرائحــةُ التاريــخ مسكٌ وعنبــرُ
وكنت َ، فكـانت فى الحقــول سنابلٌ
وكانت عصــافير ٌ.. وكان صــنوبرُ
------------
جئتنا ودخلت تاريخنا فكنت عطرا عطَّر التاريخ مسكا وعنبرا وحياتنا , فعندما صرت واقعا وكائنا من الكينونة والوجود كأنك بك الحقول طرحت سنابلا فكنت ارتباط وجود للسنابل ومع السنابل جاء الخير وجاءت العصافير وجاء الصنوبر فبكَ الله طرح في الدنيا خيرا فكنت كالماء مرتبطة به الحياة وجمالها وإبداعاتها وتجليات العطاء فيها
----------
لمسْتَ أمانينــا ، فصــارتْ جداولاً
وأمطــرتنا حبّـا ، ولا زلتَ تمطــرُ
----------
لا أدري أطلعت الغيب فرأيت ما في أمانينا وما في قلوبنا وعندها صارت أمانينا جداولا ملأى بك حين أمطرتنا حبا ولا زالت جداولنا ملأى حيث لا زلت تمطرُ.
----------
تأخّــرت عن وعــد الهوى يا حبيبنا
وما كنت عن وعــد الهــوى تتأخرُ
سَهِدْنا .. وفكّــرنا .. وشاخت دموعنـا
وشابت ليالينــا ، وما كنت تحضــُرُ
--------
أبحث وأفتش عنك ولا أراك فأين يا ترى أنت وما الذي أخرك يا حبيبنا وأنت لم تخلف ميعادا مع محبيك وما تأخرت عنا يوما وقد سهدنا وسهرنا وفكرنا وبكينا وطال عهد البكاء حتى كأن أدمعنا شاخت وشابت فشابت بها ليالينا وأنت بعد لم تحضر.
----------
تعاودنـــى ذكــراك كلّ عشيّــةٍ
ويورق فكـــرى حين فيــك أفكّر ..
وتأبى جراحـــى أن تضــمّ شفاهها
كأن جــراح الحــبّ لا تتخثّـــرُ
أحبّك لا تفسيــر عنــدى لصَبْوتـى
أفسّـر ماذا ؟ والهـــوى لا يفسَّــر
---------
أتذكرك طويلا وكثيرا حتى أنني كل عشية تُمِرُّني إذ تمر بي ذكراك وعندما أذكرك يعشب الوقت وتزهر الجدران ويورق الفكر حين أفكر فيك , وجراحي كأنها أفواه صارخة متفجعة لفقدانك وغيابك المرير وكأنها جراح لا تلتئم وتتخثر دماؤها , أتدري لماذا يا حبيبنا لأننا نحبك ولا تفسير لهذه المحبة وكيف لا أحبك ومن وضع الله له المحبة في القلوب فأين للقلوب أن لا تحبه وإن كنت لا أدري على وجه الدقة ما تفسير هذه المحبة.
-----------
تأخرت يا أغلـى الرجـــال ، فليلنـا
طويـل ، وأضــواء القناديـل تسهرُ
تأخّـرت .. فالسـاعات تـأكل نفسهـا
وأيامنا فــى بعضهــــا تتعثّــرُ
أتسأل عن أعمــارنا ؟ أنت عمــرنا
وأنت لنا المهــدىّ .. أنت المحــرّرُ
وأنت أبو الثــورات ، أنت وقـودهـا
وأنت انبعـاث الأرض، أنت التغيّــرُ
-----------
تأخرت ونحن ساهرون على باب الأمل منتظرين وصولك وطال بنا الانتظار ومعنا القناديل مسهدة الأنوار متعبة الفتائل غير شاكية غير الانتظار الطويل , تأخرت والساعات تسعَّرت شوقا وسُعِرَتْ انتظارا فهي تأكل نفسها وأيامنا كالسكارى تتخبط في بعضها فلم نعد ندري ما الأحد من الجمعة ولم نعد ندري الخميس من الثلاثاء وأعمارنا أتدري يا حبيبنا كنت عمرنا وكنت المنتظر فينا وكنت محررنا وأنت أبو الثورات ووقودها وأنت الخضرة التي تضرب الصحراء وأنت الربيع الذي يغير الجدوبات والمرارات والرمادات فتطرح اخضراراتٍ وأزهاراً وثماراً يوانعَ يا أملنا الذي كان ولم يعد في المكان والإمكان.
-----------------
تضيق قبـور الميتيــن بمــن بهـا
وفى كل يــوم أنت فــى القبر تكبرُ
حصانـك فـى سينـاء يشـرب دمعَهُ
ويا لعــذاب الخيــل ، إذ تتـذكـّرُ
وراياتك الخضــراء تمضــغ دربها
وفـوقك آلاف الأكاليــل تُضـــْفَرُ
تأخــرت عنا .. فالمسيــح معـذّبٌ
هناك ، وجــرح المجــدلية أحمرُ ..
نساء فلسطيـنٍ تكحّلـن بالأســــى
وفى بيت لحــمٍ قاصـراتٌ .. وقصّرُ
وليمونُ يـافـا يـابسٌ فـى حقولــهِ
وهل شجــرٌ فى قبضـة الظلم يُزهرُ ؟
رفيق صــلاح الدين .. هل لك عودةٌ
فإن جيـوش الــروم تنهــى وتأمرُ
رفاقك فى الأغــوار شـدّوا سُروجَهم
وجنـدك فى حِطِّين ، صلّوا .. وكبّروا ..
تُغنّـى بـك الدّنيــا .. كأنك طـارقٌ
على بـركات الله ، يرســو .. ويُبحرُ
تناديـك من شــوقٍ مـآذنُ مكّــةٍ
وتبكيـك بَــدر ٌ، يا حبيبـى ، وخيبرُ
ويبكيـك صـفصاف الشــام ووردها
ويبكيـك زهـرُ الغـوطتين ، ودُمَّــرُ
---------
تعال إلينــا .. فالمــروءات أطرقتْ
وموطــن آبائــى زجـاج مكسّرُ ..
------------
تعالى إلينا فالمروءة لم تعد موجودة والجبناء ملأوا الأفق وحاصرونا بجبنهم وخستهم
-----------
هزمنـا .. ومـا زلنـا شِتـاتَ قبائـلِ
تعيشُ على الحقــد الدفيــن وتثـأرُ
رفيق صــلاح الدين .. هل لك عـودةٌ
فإن جيـوش الــروم تنهـى ، وتأمرُ
يحاصــرنا كالمــوت ألفُ خليفــةً
ففى الشرق هولاكو .. وفى الغرب قيصرُ
أبا خالـد أشكـو إليــك مـواجعـى
ومثلــى له عــذرٌ .. ومثلك يعــذرُ
أنا شجــرُ الأحــزان ، أنـزفُ دائماً
وفى الثلـج والأنـواءِ .. أعطـى وأُثمرُ
---------------------
أبا خالد معذرة منك يا حبيبنا وإن كان البكاء بين يديك غير نافع فنحن ممزقون وإن الحزن على غيابك جعلنا غابات أحزان مثمرة المرارات محاصرون بالخيبات والخائبين مضروبون بأنواء المجرمين وثلوج الفشلة وخيانات الخونة الذين لم يجدوا حائطا مائلا غير حائطنا ليدوسوا عليه ولجبنهم لم يحاربوا الأعداء بل قتلونا نحن .
فألف سلام عليك يا حبيبنا.
إليه فى يوم ميلاده
طويـل ، وأضــواء القناديـل تسهرُ
تأخّـرت .. فالسـاعات تـأكل نفسهـا
وأيامنا فــى بعضهــــا تتعثّــرُ
أتسأل عن أعمــارنا ؟ أنت عمــرنا
وأنت لنا المهــدىّ .. أنت المحــرّرُ
وأنت أبو الثــورات ، أنت وقـودهـا
وأنت انبعـاث الأرض، أنت التغيّــرُ
تضيق قبـور الميتيــن بمــن بهـا
وفى كل يــوم أنت فــى القبر تكبرُ
تأخــرت عنّا .. فالجيــاد حـزينـة
وسيفك مـن أشـواقه ، كـاد يكفـــرُ
حصانـك فـى سينـاء يشـرب دمعَهُ
ويا لعــذاب الخيــل ، إذ تتـذكـّرُ
وراياتك الخضــراء تمضــغ دربها
وفـوقك آلاف الأكاليــل تُضـــْفَرُ
تأخــرت عنا .. فالمسيــح معـذّبٌ
هناك ، وجــرح المجــدلية أحمرُ ..
نساء فلسطيـنٍ تكحّلـن بالأســــى
وفى بيت لحــمٍ قاصـراتٌ .. وقصّرُ
وليمونُ يـافـا يـابسٌ فـى حقولــهِ
وهل شجــرٌ فى قبضـة الظلم يُزهرُ ؟
رفيق صــلاح الدين .. هل لك عودةٌ
فإن جيـوش الــروم تنهــى وتأمرُ
رفاقك فى الأغــوار شـدّوا سُروجَهم
وجنـدك فى حِطِّين ، صلّوا .. وكبّروا ..
تُغنّـى بـك الدّنيــا .. كأنك طـارقٌ
على بـركات الله ، يرســو .. ويُبحرُ
تناديـك من شــوقٍ مـآذنُ مكّــةٍ
وتبكيـك بَــدر ٌ، يا حبيبـى ، وخيبرُ
ويبكيـك صـفصاف الشــام ووردها
ويبكيـك زهـرُ الغـوطتين ، ودُمَّــرُ
تعال إلينــا .. فالمــروءات أطرقتْ
وموطــن آبائــى زجـاج مكسّرُ ..
هزمنـا .. ومـا زلنـا شِتـاتَ قبائـلِ
تعيشُ على الحقــد الدفيــن وتثـأرُ
رفيق صــلاح الدين .. هل لك عـودةٌ
فإن جيـوش الــروم تنهـى ، وتأمرُ
يحاصــرنا كالمــوت ألفُ خليفــةً
ففى الشرق هولاكو , وفى الغرب قيصرُ
أبا خالـد أشكـو إليــك مـواجعـى
ومثلــى له عــذرٌ , ومثلك يعــذرُ
أنا شجــرُ الأحــزان ، أنـزفُ دائماً
وفى الثلـج والأنـواءِ .. أعطـى وأُثمرُ

تعليقات
إرسال تعليق