ـ القصيدة الخالدة ـ قصيدة | سكن العبير | ـ للشاعر الكبير فاروق شوشة ـ من بحر الكامل الأحذ
ـ القصيدة الخالدة ـ قصيدة | سكن العبير |
ـ من بحر الكامل الأحذ ـ
للشاعر الكبير فاروق شوشة
في رثاء الشاعر الكبير فوزي العنتيل رحمهما الله
-------------
فوزي العنتيل أحد أهم شعراء مصر في القرن العشرين وهو وشاعرنا فاروق شوشة درعميان .
فوزي العنتيل شاعر القرية المصرية مشابه للشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل ولكنه يفيض خضرة في كثير من القصائد وإن كان محمود حسن إسماعيل هو الشاعر العملاق وأحد أفضل شعراء العربية على الإطلاق ومن أغزر الشعراء إنتاجا وتنوعا ولكن فوزي العنتيل على قليل إنتاجه فهو بهي العبارات متأنق الشعر يختار بدقة وبعناية فائقة ألفاظه وتراكيبه ورغم أنه يتحدث عن الريف إلا أن شعره في منتهى الإبداع والتجلي ويعد من عيون الشعر العربي وله ديوانان أهمهما ديوانه عبير الأرض وهو ديوان شعر عمودي عبقري وكأن فوزي العنتيل أفرغ روحه وإبداعه وفنه وطاقته الشعرية في هذا الديوان ولفوزي العنتيل قصة لم ألم بكامل تفاصيلها مع أحد القائمين على الثقافة الذي طارده في حياته وفي رزقه حتى لم يجد مفرا من الهروب إلى مهاجر كثيرة في أوروبا وإفريقيا ثم حين عاد كانت روحه كأنها انطفأت وشعره كأنه فرخ بيضة أخافته الضوضاء خارج قشرتها فأبى أن يخرج فمات شهيدا.
فقد زوت أشعاره حتى أنه تقريبا لم يكتب شعرا بعد خروجه من مصر ربما جزازات ومقدمات قصائد لم يكملها في ديوانه رحلة الكلمات وليس لها بهاء قصائد ديوانه عبير الأرض.
وكان الشاعر الكبير فاروق شوشه حسبما أظن زميله في أحد نوادي العاصمة الأدبية وكانا درعميان كما أسلفت وكان أن أسلم فوزي العنتيل روحه إلى بارئها عن عمر يعد صغيرا في الأعمار في خمسينات عمره الأولى ولابد أن العظيم فاروق شوشه أحس آلامه وعذاباته وأظن أنه شاهدها وعاصرها فكتب هذه القصيدة الخالدة الرائعة في رثاء الشعر وفي رثاء شاعر شهيد حاصرته الأيام وكان جديرا أن تخشع له وأن تتجمل في صحبته وأن تقبل أنامله وأن ترفعه فوق الرؤوس شاعرا متفردا قل ما جاد بمثله الزمن.
وشاعرنا فاروق شوشة ولا أخفي أنني من محبيه وممن تأثر به ربما لم تسعف الأيام بلقائه ولكن صوته الرائع ومختاراته الشعرية الرائعة كانت كل ليلة أهم ما أسمعه في الإذاعة المصرية في برنامجه العبقري ( لغتنا الجميلة ) ودرست شعره في الثانوية العامة وربما لم أحب قصيدته التي درسناها يومها فقد كانت اختيارا سيئا لمؤلف الكتاب المدرسي جعلني أظن بشاعريته الظنون يوم درستها ولكني عرفته حق المعرفة من قصيدتنا الخالدة التي نقرأها اليوم ( سكن العبير ) حين ساقها أستاذنا المرحوم الدكتور الطاهر مكي في مختاراته الشعرية كواحدة من عيون الشعر المعاصر.
لا أدري ماذا أقول حين أقرأ قصيدة كهذه العبقرية للعبقري فاروق شوشة , أأغضب منه أنه لم يصن موهبة عبقرية بددها في قصائد الشعر الحر التي لا تضارع هذه القصيدة في شيء ولا تدنو لمستواها أبدا , أأمدحه والمدح قليل بين يدي قصيدته الرائعة هذه, أتخبط بين الشعور بالسرور حين أقرأ هذه القصيدة وبين الحزن أن شاعرها المبدع لم يكتب كثيرا على هذا النمط وهذا الإبداع إلا قصائد قليلة حسبما أظن فقد وجدت له قصائد قليلة على هذا النمط الإبداعي المتفرد وهي عمودياته ولا أقصد بهذا الحط من شأن بقية شعره الذي لم أقرأه كله بل مع اعتذاري قرأت العموديات فقط واكتفيت من الشعر الحر بمقدمات القصائد والمرور عليها سريعا وليس حطا من الشعر الحر فأنا من هواة شعر أمل دنقل وخليل حاوي ومعين بسيسو وبعض قصائد صلاح عبدالصبور وغيرهم من الشعراء الذي أبدعوا في الشعر الحر إبداعا قد يفوق إبداعهم في الشعر العمودي ولكن هي للأسف ذائقتي التي لا ألام عليها فهو شأن يخص كل نفس قد يعذب لديها ما لا يعذب لدى سواها وقد لا تستسيغ ما يقدسه سواها.
نقلت هذه القصيدة بيدي من ديوان الأستاذ الكبير فاروق شوشة لأني لم أجدها على الإنترنت في أي مكان ولم أجد حتى كتاب أستاذنا الطاهر مكي الذي عرفني بالقصيدة وأعاد تعريفي بشاعرها العظيم.
ومع سكن العبير.
=== قصيدة | سَكَنَ الْعَبِيرُ | ===
للشاعر الكبير فاروق شوشة ـ من بحر الكامل الأحذ ـ
سكن العبير وأطرق الصمتُ والروض لا ظلٌّ ولا صوتُ
لم يعد لدى (عبير الأرض) من ألم ولا غناء ولا صوت فقد حل السكون , والصمت بات مطرقا فتضاعف حجم الأسى لكل هذا السكون وروضة العبير لم يعد بها ثم ظلٌّ لمستظل ولا نغمة .
وعلى الثرى آثار أغنيةٍ عبرًتْ وغالَ صداحَها الموتُ
كان بهذه الأرض فوح عبير وآثار غناء مروا من هنا اغتال روعتهم الموتُ
مِزَقٌ من الذكرى يلاحقُها نايٌ شتيتٌ راح ينبتُّ
وحداءُ أقوامٍ قد اغتربوا عن نجعِهم وتباعدَ السمْتُ
يمتحننا الحزن إذا يعاودنا بأشتات ممزقة من الذكريات العذبة والأليمة وصوت ناي حزين كأنه موسيقى تصويرية لمشهد حزين صار يخفت كلما أوغل الحزن بنا في الذكرى عنا نحن الغرباء الذين جئنا من قرانا ونجوعنا وبلادنا البعيدة إلى هذه المدينة التي طحنتنا وغيرتنا عن براءتنا وسمتنا الأول ولم ترحم غربتنا وتقر أعيننا كمستقر فبقينا نسكنها ونحس الغربة.
جاءوا غزاةً فاتحي مدنٍ صماءَ عشَّشَ فوقَها المقتُ
طحنتهموا الأيام وانسكبوا فوق الثرى وتناثر الزيتُ
يا ويلهم خرجوا بما ملكوا ومضوا فلا وطنٌ ولا بيتُ
جئنا آملين أن نفتح فتوحاتنا أدبا وغنى وشهرة وسعادة وضوءا يشملنا وسكنا وقرة عين جئنا فاتحين لمدن عرفناها بعد لأْيٍ صماءَ عن غنائنا , يتربص بنا الكره والأحقاد بلا ذنب ولا جريرةٍ , مقيتة هي هذه المدن وممقوته طحنت أرواحنا فانسكبنا على التراب وزيت مصباحنا تناثر فلم نضئ ولم ينلنا الضوء لم نشرق ولم تشرق علينا الشمس يا ويلنا خرجنا من بلادنا بذواتنا وأرواحنا وأحلامنا وها نحن نخرج من الدنيا ولم نظفر بسكينة الظفر ولا سكن المتعب ولا راحة المسافر ولا وطن العائد ولا مأوى يقي من الآلام.
من حولهم جثثٌ محنطةٌ الشعرُ في ألواحِها نحتُ
إبصارهم ـ لو أمعنوا عَمَهٌ وبلوغهم لو أدركوا فوْتُ
إن يسرعوا فلكلِّ مائدةٍ وعن الخنا أقلامُهم صُمْتُ
أو يهتفوا فلكلِّ بارقةٍ ولكل قولٍ عندهم وقتُ
فسد الزمان بهم ومن عجب لم تنفدِ الأسمارُ والتختُ
هي هذه الجثث والعقول المحنطة التي أبت إلا أن تحول حياتنا إلى مقبرة عتيقة أثرية وهم يدعون البصيرة وهم عميان ومهما بالغوا في الاستبصار ازدادوا عمها وعماية وحين يصلون لغاية تكون غايتهم هي الخسران وفوت المطلوب وهم إن سارعوا مرة لنهضة فلغنيمة ووليمة وليس لغوث ملهوف ولا لنجدة مظلوم ولا لإحقاق حق وإقامة عدل فهم أدنى وأدنأ وهم عن كل رذيلة صم عمي بكم فهم لا يرجعون وإن بدت الشمس مشرقة غاية الإشراق فهم عنها عُمي ناكصون ولكنهم لكل بارق سريع الخُبُوِّ هاتفون متلهفون يتقنون أين يكون صوتهم ونهضتهم لكل ما ليس حقا ولا نورا ولا إشراقا , أفسدوا الزمان بعطنهم وفساد طويتهم وظاهرهم الذي كأنه مد البحر وموائد السمر والغناء التي لا ينفد طعامها وغناؤها.
أراك بينهمو شهيد هوىً : أنا من صميم وجودكم جئتُ
من قريةٍ في الفقرِ نائيةٍ عذراءَ في آفاقها طرتُ
وفضضتُ ختمَ السرِّ عن فمِها فتكلَّمتْ لغتي فغنَّيْتُ
وأراك يا فوزي العنتيل شهيد هذه المدينة العطنة الفاسدة شهيد هذه الزمر المحنطة فماذا تقول :
يقول فوزي العنتيل والشعر لفاروق شوشة :
أنا من صميم وجودكم أيها الأخيار جئت من قرية ككل قرية في بلادي موغلةٌ في الحزن و نائية في الفقر , طاهرة كأنها العذراء , بريئة كأنها من الجنة ,
وقد طرت في خضرتها وبين جداولها جنة ويكأنها أفضل موعود به في الجنة وكانت سرا من الجمال فأذعتُه وكان حيية بالكلام ففضت عن فمها الحجاب فأبدعَتْ أفضل لغة وأجمل جمال تغنَّيتُ به وله العمر.
بعبيرها صلَّيتُ منتشياً وبسرِّها المهتوكِ أٌنْطِقْتُ
دمعٌ وآهاتٌ وأتربةٌ وصدىَ أيَامَى فيهِ ضُمِّخْتُ
وجنازُ بكَّائينَ ما عرفوا غير النواح , بركبهِ سرتُ
غنيتها عبيرا أطلعته زهور الحسن وصليت في محراب هذا العبير ومن شدة الحب والجمال والحسن والروعة الذين أنطقوني بسرها الذي أعلنته ولم يكن للجمال والحسن وحدهما غنيت بل لدمع المساكين وآهات المعذبين وتراث من الحزن ترديد صوت نسوة مسكينات , أيَامى حزينات , تعطرت به كالعبير وأيضا سرت ركب مسيرات الباكين الذين ساقهم النواح .
وحملتُها في القلب وانطلقَتْ كَفِّي تزيحُ الستر فارْتَعْتُ
في رحلة الكلمات قاتلتي إني نطقتُ بها فأذنبتُ
وعصيتُ لكن لم أخن أبدا وخُذِلتُ لكن ما تشكَّيتُ
حسبي إذا حُشِدَتْ سهامهمو أني على يدها تكسرت
وجُهِلْتُ لكن حَسْبُ ذاكرتي أنِّي لطينِ الأرض عُرِّفتُ
وحملت بلدتي وبلادي وأهلي وأهل بلادي ومضيت أرفع عن أحزانهم الستر وأكشف جراحهم للشمس ولكن لكثرة ما رأيت ارتعت وإن كشفت في كتابي رحلة الكلمات أحزاني وكان هذا ذنبي وقاتلي فقد عصيت قاتلي ولكن لم أخن أهلي وخذلني الخاذلون وما تألمت ولا تشكيت إلا لربي , وإذا كانوا قد حشدوا سهامهم وأصابوني فحسبي أن أعود إلى بلدتي لأموت شهيد هواها وشهيد آلامها وإن لم تشرق شمسي ولم تنلني أضواء الشموس فيكفيني أني لطين أرض بلادي تعرفت.
الآن ترجع غصن باسقةٍ فرعاءَ هوّم حولَها النبتُ
سكن العبير وأطرق الصمتُ والروض لا ظلٌّ ولا صوتُ
كم أنت قاسٍ أيها الموت كم أنت قاسٍ أيها الموت
أخي فوزي العنتيل عد الآن غصنا في شجرة باسقة رحيقا في زهرة عاطرة يشملك الزهر في عطوره وجماله والأشجار في علوها وشموخها , العبير من بعدك لعله سكن إلى سكون كان يريد وإلى سكينة كان ينشد .
الموت قاسٍ حقا إنه قاسٍ , حين لا تسعد بنهاية كنت تترجاها سعيدة وسكينة كنت تتمناها رحيمة وسكن شقيت روح ولم تصل إليه وآلام لم تطهر أرواحنا منها و عند الله تجتمع الخصوم وما عند الله خير وأبقى , جنة عرضها السموات والأرض عسى أن تكون مستقرك وقرة عينك إن شاء الله.
=== قصيدة | سَكَنَ الْعَبِيرُ | ===
للشاعر الكبير فاروق شوشة ـ من بحر الكامل الأحذ ـ
===========

تعليقات
إرسال تعليق