من إنسان لسوبرمان


من إنسان لسوبرمان


================


سيدي أيها الفيلسوف

كم تخون الحروف

واقف في جلالك متهما بالكسوف

متهما بالخسوف

مبتذلا كل معنى مخوف

كل خوف لدى القلب مات

المطامع ماتت

الذوائب شاخت

الأمانيُّ باخت*

الطموحات داخت*

كل شيء لدى النفس صار مَعُوفْ*

أنا رجلٌ ضائق بالحياة

طامح للنجاة

زاهد في بلادٍ

بكل تقدمها وغناها مضت

في مقامِ الزراعات أو من مراعي الفلاةِ

ولولا التسابيحُ تمنحُنِي قوةً

لهَوَيتُ كأيِّ ضعيفْ

قدمِي لم تعد تحتملْ

وبالصدر قلب يناور بين الضلوع الخَلَلْ

وعينانِ زائغتانِ

وبالدمعِ جفنٌ ذَبُلْ

وجسمٌ معَ الهمِّ صارَ حَليفْ

ككل امرئٍ ونقاوم بالمغريات السعيدةْ

ويمسكنا للغد المتآمرِ ضحكُ الصغارْ

ولُقَيماتنا من رغيفْ

ونمشِي من الخوف في الدرب فوق الرصيفْ

أحمل في الروح من أملي في الغدِ

وقوةَ روحٍ تشدُّ يدي

ورأسٌ يعاندني بالطموحْ

وذاكرةٌ من خداعْ

بوهم الملذاتِ قادمةٌ ,

فاجهدِ

وكمْ صورةٍ بالخيالاتِ

لم تزهدِ

رغمِ كلِّ الرعودِ

الوعيدِ

بمن سافروا في الربيعْ

ومن سافروا في الخريفْ

------

سيدي الفيلسوف

أحمل اليومَ مطلبتي

بالرجوعِ لعهدِ الطفولة كي مَا أطوفْ

وأهديك أنَّا جميعا

وقبل الخريفِ نسينا الحروفْ

وأهديك أنَّا جميعا

صُنعْنا من الطينِ

والطينُ شيء ضعيفْ

وأهديك أنَّا نُذيبُ الحديدَ

ونجعله أيَّ شيءٍ لطيفْ

وأنا نهدُّ الجبالَ

وأنَّا بهذي السماءِ نطيرُ كريشٍ خفيفْ

ولكنني الآن معتذرا

ليس عندي من الآن شيءٌ أضيفْ

ومعترفا أنني

ومهما جهِدْتُ

ومهما جَمُدْتُ

ومهما أذَبْتُ

وكيف أطيرُ وكيفَ أشيدْ

فإنِّي من الطينِ لولا من اللهِ روحٌ تطوفْ

لما كنتُ شيئاً

وإنِّي بروحي قويٌّ

وأضعفُ في كل يومٍ جديدْ

وتخذلني ركْبَتَايَ

وتثقلُ كَفَّايَ

تكذِبُ عينايَ

لا أرَى مَا هُدايَ

وأخشَى الشُّدُوفْ*

وقلبي يناشدُني راحةً ويزَيفْ*

ونفسِي تعاندُني

كلٌّ شيءٍ مخيفْ

والقوَى الخَارِقَاتْ

لم تكنْ أيَّ يومٍ

لم تكنْ أيَّ ذاتْ

كلُّنا ذائبونْ

كلُّنا ذاهبونْ

وحتى الحديدُ يجيفْ

ويأوِي إلى عدمٍ مستحيلٍ لآخرْ

فدعني إلى آخرِ الدربِ

مسْتَمْتِعا بالغناءْ

مسْتَمْتِعا بالسكونْ

مسْتَمْتِعا بالربيعِ الذي لفَّنِي

مسْتَمْتِعا بقدومِ الخريفْ

مسْتَمْتِعا طعمَ هذا الرغيفْ

مسْتَمْتِعا بالنجاةِ من الجبروت المخيفْ

مسْتَمْتِعا بالحياةِ

بضحكةِ طفلٍ يناشدُني يا أبِي

ومنْ مطرٍ بالرذاذِ نِديف*

ومنْ فرحٍ خافتٍ وعنيفْ

بالعصافيرِ فوقَ الشجيراتْ

بالزقزاتْ

بالأغنياتْ

برفةِ كلِّ الجناحاتْ

دُنيا رفيفْ

بالفؤاد الذي كم يعاندني ويزيفْ

بالغرام الذي لم أعشه

بالحبيبةِ - بي ولو بالخيالاتِ يوماً تطوفْ -

منذ عهدٍ قريبْ

أذكر الآنَ خطوِي لمكتبةٍ

لأقرأ شعراً عظيماً وشعراً سخيفْ

وحًبا عنيفْ

طهوراً عفيفْ

وفتاتِي الجميلةُ في القلبِ أغْرُودةٌ

والزمانُ ظريفْ

والفؤادُ خفيفْ

والطريق نظيفْ

بجنة مكتبتي حيثُ كنتُ أطُوفْ

وقد حانَ منِّي التذكُّر

كيفَ مرَّ بِيَ العُمْرُ عُمْراً

وصرتُ مع الذكريات أسيفْ

وتذكَّرْتُ أنَّ الزمان يمرّْ

وأنَّ الزمان بأعمارِنا مرَّ غيرَ شَرِيفْ

سرقَ الوقتَ

والأمنياتِ

وأذاب الطموحاتِ

كلُّنا

صحبُنا

حبُّنا

في شتاتْ

ومر الربيع مروراً سريعاً

وجاءَ المصيفْ

---

ومُعْترفا بالهمومْ

ومُعْترفا باغترابْ

ومُنْشَغِلا بالضبابْ

ومنحدِرَا في العذابْ

وتنْبَحُنِي في الطريقِ الكلابْ

وتخمشُ روحي إذا مَا غَفَلتُ الذِّئابْ

وكالشوكِ , كلُّ طريقٍ يفاجِئُني ألفُ نابْ

وحتى خراف النذالة تنطحني وأعاب

مُسَالـَمَةٌ ثم أجزى الخِيَانَةْ

ولولا التماسُك ٫٫٫ لولا المتانة

دهَتـْنِي النَّتَانَة

ولولا الأمَانَةْ

وأحَيَا بِهَا كَدِيَانَة

وكشفي لغيبي ككشفي لوجهي

وحرصي على حفظ ما صورت

يَدُ سَيِّدِنَا مُبْدِعَا وَلَطِيفْ

----------

أناديكَ لو كنتَ تَدْرِي

وأُهْدِي , ألا زلت تدري!!؟؟

قُوَّتـُنـَا سِرُّهَا ضَعْفُنَا

خوفُنا صارَ غيرَ مُخِيفْ

حين تسقط كل المعاني

وكل الطموحاتْ

يستوي كل شيء إذا جاء أو فاتْ

وإذا الظلم صار على الناس سقفَ ثباتْ

والعدلُ ماتْ

والشتاءُ هوَ الصيفْ

والربيعُ بِلا زَهْرِهِ كالْخَرِيفْ

------

ليسَ بِي قوةٌ

لأقاومَ مَرَّ الزمانْ

ومُعْترفَا كلَّ يومٍ

بأنيَ أضعفُ في كلِّ يومٍ بشكلٍ عنيفْ

رجلٌ واحدٌ

من براءة* باريهْ

كلُّ ما فِيهْ

عوامل عودته لذَوِيهْ

عواملُ رجعتِهِ

لا يَتيه

*********

وبِي قوةٌ لاخْتِرَاقِ الحَوَاجِزْ

من نفثةِ الروحِ بي إذْ تطوفْ

فعش بخَوارِقِك المدعاةِ ودعني

وقم بمهمَّتك المرتجاةِ ودعني

لا تكن جملةً من هؤاء يقالُ ودعني

أنتَ يا بطلا لمْ أكنْهُ فكُنْهُ ودعْني

أنتَ يا بطلا لبلادِ التخاريف

فلم أدّعِ ذاتَ يومٍ بطولاتِك العنتريةْ

ولم أسع نحوَ الجماهير

تلك المخمرة العقل بالقولبية

بخوارق منكَ صوتيةٍ عَنْجَهِيَّةْ

لا أريد البطولة

وليس سباق وعولٍ سأدخلُ فيه

فقد فُزتَ أنتَ بهِ

أنت يا بطلا خارقا للجهالةِ

في أمة بالظلام مقيدة وجهولة

فزت أنتَ بتاجِ البطولة

وأنا سوف أبقى أنا

رجلا عشت لا أنتمي للجهالة

وأحيا بتاج النبالة

وبالزهد في عالم من خراف النذالة

وبالله أحيا قويا

كَمَا كلُّ شخصٍ ضِعْيفْ

============




*** معاني ***

* باخت : ذبلت وضعفت

* داخت: تعبت

* مَعُوفْ : مكروه مزهود

* الشُّدُوفْ : الظلال

* يزَيفْ : يصوِّت بصوت شديد

نَديف : منثور

* براءة : خِلْقة



2020-12-23




تعليقات

المشاركات الشائعة