خلاصة الدواوين ـ ديوان ساعدة بن جؤية الهذلي
ساعدة بن جؤية الهذلي ـ شاعر مخضرم بين الإسلام والجاهلية ـ أسلم ولم يكن له صحبة برسول الله صلى الله عليه وسلم ـ هو - أستاذ لأبي ذؤيب الهذلي الشاعر - وساعدة بن جؤية شاعر مجيد تأثر بشعره الكثيرون وقلده أسلوبا شعراء كثيرون منهم حميد بن ثور الهلالي وبشار بن بردوأبو العلاء ومهيار الديلمي وغيرهم ـ شعره قوي وأسلوبه الشعري متفرد وشديد البراعة في فن القص الشعري وسرد الحكاية الشعرية.
وهو شاعر رائد فقد صارت موضوعاته الشعرية من أكثر الموضوعات ورودا في الشعر خاصة في موضوع شكوى الدهر والحب وموضوعاته بتمامها في قصائد كثيرين ممن لحقوا في الأزمان المتعاقبة فقصة الحب الواردة في قصائده بنفس البنيان في قصائدهم وقصائد شكوى الدهر وتعاقب الأيام موجودة بأساليب مشابهة لأساليبه وبمعان مقاربة لمعانيه موجودة في قصائد الأزمان اللاحقة .
وهو بحق أحد أهم رواد الشعر القديم وإن كان البحث لم ينله كما أظن أنه يستحق.
أول ما لفت نظري في ديوانه الموجود في ديوان الهذليين جمع أبي سعيد السكري القصص فقد قص في قصيدتين من مختاراتي هذه قصة واحدة كررها في القصيدتين عن حبه لسيدة جميلة وصور حبه لها كحب امرأة تأخر زواجها وتعدد ثم أنجبت على كبر ولدا بطلا وخرج ابنها للصيد أو للغزو وقاتل وتركه أصحابه يقاتل محاطا بأعداء كثيرين وبكوا بين يدي أمه أنه كان على وشك الموت تركوه بين يدي أعدائه وفروا متأكدين من أنه مات وفجأة وهي في حالة البكاء نادى الناس أن ابنها قد عاد وكانت تضرب وجهها بنعلها حزنا وكمدا عليه فخرجت تشق الناس فرحا بابنها الحبيب وفرحة هذه المرأة كفرحته بحبيبته .
لو تيسر الوقت والطاقة فسأكتب عن القصيدتين إن شاء الله في القصائد الخالدة فقد كانت القصيدتان من أوائل مختاراتي , كنت أعد دراسة عن ريادته الشعرية كبحث كنت أتمنى أن أتقدم به لدراسة الماجستير . حيث كان تعرفي به قديم جدا ربما من أيام الثانوية العامة في بداية التسعينات.
- 1 -
الطويل
أَهاجَكَ مَغنى دِمنَةٍ وَرُسومُ
لِقَيلَةَ مِنها حادِثٌ وَقَديمُ
عَفا غَيرَ إِرثٍ مِن رَمادٍ كَأَنَّهُ
حَمامٌ بِأَلبادِ القِطارِ جُثومُ
فَإِن تَكُ قَد شَطَّت وَفاتَ مَزارُها
فَإِنّي بِها إِلّا العَزاءَ سَقيمُ
وَما وَجَدَت وَجدي بِها أُمُّ واحِدٍ
عَلى النَأيِ شَمطاءُ القَذالِ عَقيمُ
رَأَتهُ عَلى فَوتِ الشَبابِ وَأَنَّها
تُراجِعُ بَعلاً مَرَّةً وَتَئيمُ
فَشَبَّ لَها مِثلُ السِنانِ مُبَرَّأُ
أَشَمُّ طوالُ الساعِدَينِ جَسيمُ
وَأَلذَمَها مِن مَعشَرٍ يُبِغِضونَها
نَوافِلُ تَأتيها بِهِ وَغُنومُ
فَأَصبَحَ يَوماً في ثَلاثَةِ فِتيَةٍ
مِنَ الشُعثِ كُلٌّ خُلَّةٌ وَنَديمُ
وَقَدَّمَ في عَيطاءَ في شُرُفاتِها
نَعائِمُ مِنها قائِمٌ وَهَزيمُ
بِذاتِ شُدوفٍ مُستَقِلٍّ نَعامُها
بِأَدبارِها جُنحَ الظَلامِ رَضيمُ
فَلَم يَنتَبِه حَتّى أَحاطَ بِظَهرِهِ
حِسابٌ وَسِربٌ كَالجَرادِ يَسومُ
فَوَرَّكَ لَينا لا يُثَمثَمُ نَصلُهُ
إِذا صابَ أَوساطَ العِظامِ صَميمُ
تَرى أَثرَهُ في صَفحَتَيهِ كَأَنَّهُ
مُدارِجُ شِبثانٍ لَهُنَّ هَميمُ
وَصَفراءَ مِن نَبعٍ كَأَنَّ عِدادَها
مُزَعزِعَةٌ تُلقي الثِيابَ حَطومُ
كَحاشِيَةَ المَحذوفِ زَيَّنَ ليطَها
مِنَ النَبعِ أَزرٌ حاشِكٌ وَكُتومُ
وَأَحصَنَهُ ثُجرُ الظُباتِ كَأَنَّها
إِذا لَم يُغَيِّبَها الجَفيرُ حَجيمُ
فَأَلهاهُمُ بِاِثنَينِ مِنهُم كِلاهُما
بِهِ قارِبٌ مِنَ النَجيعِ دَميمُ
وَجاءَ خَليلاهُ إِلَيها كِلاهُما
يُفيضُ دُموعاً غَربُهُنَّ سَجومُ
فَقالوا عَهِدنا القَومَ قَد حَصَروا بِهِ
فَلا رَيبَ أَن قَد كانُ ثَمَّ لَحيمُ
فَقامَت بِسَبتٍ يَعلجُ الجِلدَ وَقعُهُ
يُقَبِّضُ أَحشاءَ الفُؤادِ أَليمُ
إِذا أَنزَفَت مِن عَبرَةٍ يَمَّمَتهُمُ
تُسائِلُهُم عَن حِبِّها وَتَلومُ
فَبَينا تَـنوحُ اِستَبشَروها بِحِبِّها
عَلى حينِ أَنَّ كُلَّ المَرامِ تَرومُ
فَلَمّا اِستَفاقَت فَجَّتِ الناسَ دونَهُ
وَناشَت بِأَطرافِ الرِداءِ تَعومُ
وَخَرَّت تَليلاً لِليَدَينِ وَنَعلُها
مِنَ الضَربِ قَطعاءُ القِبالِ خَذيمُ
فَما راعَهُم إِلّا أَخوهُم كَأَنَّهُ
بِغادَةَ فَتخاءُ الجَناحِ لَحومُ
يُخَفِّضُ رَيعانَ السُعاةِ كَأَنَّهُ
إِذا ما تَنَحّى لِلنَّجاءِ ظَلِيمُ
نَجاءَ كُدُرٍّ مِن حَميرِ أَبيدَةٍ
بِفائِلِهِ وَالصَفحَتَينِ كُدومُ
يُرِنُّ عَلى قُبِّ البُطونِ كَأَنَّها
رِبابَةُ أَيسارٍ بِهِنَّ وُشومُ
- 2 -
الطويل
أَهاجَكَ مِن عيرِ الحَبيبِ بُكورُها
أَجَدَّت بِلَيلٍ لَم يُعَرِّج أَميرُها
تَحَمَّلنَ مِن ذاتِ السُلَيمِ كَأَنَّها
سَفائِنُ يَمٍّ تَنتَحيها دَبورُها
وَكانَت قَذوفاً بِالنَوى كُلَّ جانِبٍ
عَلى كُلِّ مَرٍّ يَستَمِرُّ مُرورُها
مُيَمِّمَةً نَجدَ الشَرى لا تَريمُهُ
وَكانَ طَريقاً لا تَزالُ تَسيرُها
وَما مُغزِلٌ تَقرو أَسِرَّةَ أَيكَةٍ
مُنَطَّقَةٍ بِالمَردِ ضافٍ بَريرُها
إِذا رَفَعَت عَن ناصِلٍ مِن سُقاطَةٍ
تُعالى يَدَيها في غُصونٍ تُصيرُها
بِوادٍ حَرامٍ لَم تَرُعها حِبالَةٌ
وَلا قانِصٌ ذو أَسهُمٍ يَستَثيرُها
وَمِنكِ هُدُوَّ اللَيلِ بَرقٌ فَهاجَني
يُصَدِّعُ رُمكا مُستَطيرا عَقيرُها
أَرِقتُ لَهُ حَتّى إِذا ما عُروضُهُ
تَحادَت وَهاجَتها بُروقٌ تُطيرُها
أَضَرَّ بِهِ ضاحٍ فَنبَطا أُسالَةٍ
فَمَرٌّ فَأَعلى حَوزِها فَخُصورُها
فَرَحبٌ فَأَعلامُ القُروطِ فَكافِرٌ
فَنَخلَةُ تَلّى طَلحُها وَسُدورُها
وَمِنهُ يَمانٍ مُستَطِلٌّ وَجالِسٌ
بِعَرضِ السَراةِ مُكَفهِرّاً صَبيرُها
فَحَطَّ مِنَ السولِ المُلِمِّ وَتَلَّهُ
يَحِفُّ بِأَرباضِ الأَراكِ ضَريرُها
وَتَاللَّهِ ما إِن شَهلَةٌ أُمُّ واحِدٍ
بِأَوجَدَ مِنّي أَن يُهانَ صَغيرُها
رَأَتهُ عَلى يَأسٍ وَقَد شابَ رَأسُها
وَحينَ تَصَدّى لِلَهوانِ عَشيرُها
فَشَبَّ لَها مِثلَ السِنانِ مُبَرَّأُ
إِمامٌ لِنادي دارِها وَأَميرُها
عِناشُ عَدُوٍّ لا يَزالُ مُشَمِّراً
بِرَجلٍ إِذا ما الحَربُ شُبَّ سَعيرُها
تَقَدَّمَ يَوماً في ثَلاثَةِ فِتيَةٍ
بِجَرداءَ نُصبٍ لِلغَوازي ثُغورُها
فَبَينا هُمُ يَتّابَعونَ لِيَنتَهوا
بِقُذفٍ نِيافٍ مُستَقِلٍّ صُخورُها
رَأَوا مِن قِدى الكَفَّينِ قُدّامَ عَدوَةٍ
مُحيطاً بِهِ مِن كُلِّ أَوبٍ حُضورُها
فَوَرَّكَ لَينا أَخلَصَ القَينُ أَثرَهُ
وَحاشِكَةً يَحصى الشِمالَ نِذيرُها
يُزَحزِحُهُم عَنهُ بِنَبلٍ سَنينَةٍ
يُضِرُّ بِحَبّاتِ القُلوبِ حَشورُها
فَلمّا رَآهُم يَركَبونَ صُدورَهُم
كَبُدنِ إِيادٍ يَومَ ثُجَّت نُحورُها
تَمَلَّزَ مِن تَحتِ الظُباتِ كَأَنَّهُ
رَداةٌ إِذا تَعلو الخَبارَ نُدورُها
وَجاءَ خَليلاهُ إِلَيها كِلاهُما
يُفيضُ دُموعاً لا يَريثُ هُمورُها
يُنيلانِ بِاللَهِ المَجيدِ لَقَد ثَوى
لَدى حَيثُ لاقى زَينُها وَنَصيرُها
فَقامَت بِسِبتٍ يَلعَجُ الجِلدَ مارِنٍ
وَعَزَّ عَلَيها هَلكُهُ وَغُبورُها
فَبَينا تَنوحُ اِستَبشَروها بِحُبِّها
صَحيحاً وَقَد فَتَّ العِظامَ فُتورُها
فَخَرَّت وَأَلقَت كُلَّ نَعلٍ شَراذِماً
يَلوحُ بِضاحي الجِلدِ مِنها حُدورُها
- 3 -
الكامل
هَجَرَت غَضوبُ وَحُبَّ مَن يَتَحَبَّبُ
وَعَدَت عَوادٍ دونَ وَليِكَ تَشعَبُ
وَمِنَ العَوادي أَن تَقَتكَ بِبِغضَةٍ
وَتَقاذُفٍ مِنها وَأَنَّكَ تُرقَبُ
شابَ الغُرابُ وَلا فُؤادُكَ تارِكٌ
ذِكرَ الغَضوبِ وَلا عِتابُكَ يُعتَبُ
وَكَأَنَّما وافاكَ يَومَ لَقيتَها
مِن وَحشِ وَجرَةَ عاقِدٌ مُتَرَبَّبُ
خَرِقٌ غَضيضُ الطَرِف أَحوَرُ شادِنٌ
ذو حُوَّةٍ أُنُفُ المَسارِبِ أَخطَبُ
بِشَرَبَّةٍ دَمَث الكَثيبِ بِدورِهِ
أَرطى يَعوذُ بِهِ إِذا ما يُرطَبُ
يَتَقي بِهِ نَفيانَ كُلِّ عَشِيَّةٍ
فَالماءُ فَوقَ مُتونِهِ يَتَصَبَّبُ
يَقرو أَبارِقَهُ وَيَدنو تارَةً
لِمَدافِىءٍ مِنها بِهِنَّ الحُلَّبُ
إِنّي وَأَيديها وَكُلِّ هَدِيَّةٍ
مِمّا تَثُجُّ لَها تَرائِبُ تَثعَبُ
وَمُقامِهِنَّ إِذا حُبِسنَ بِمَأزِمٍ
ضَيقٍ أَلَفَّ وَصَدَّهُنَّ الأَخشَبُ
حَلِفَ اِمرىءٍ بَرٍّ سَرِفتِ يَمينَهُ
وَلِكُلِّ ما تُبدي النُفوسُ مُجَرَّبُ
إِنّي لَأَهواها وَفيها لِاِمرىءٍ
جادَت بِنائِلِها إِلَيهِ مَرغَبُ
وَلَقَد نَهَيتُكَ أَن تَكَلَّفَ نائِياً
مِن دونِهِ فَوتٌ عَلَيكَ وَمَطلَبُ
أَفَمِنكِ لا بَرقٌ كَأَنَّ وَميضَهُ
غابٌ تَشَيَّمَهُ ضِرامٌ مُثقَبُ
سادٍ تَجَرَّمَ في البَضيعِ ثَمانِياً
يُلوى بِعَيقاتِ البِحارِ وَيُجنَبُ
لَمّا رَأَى عَمقاً وَرَجَّعَ عَرضُهُ
رَعداً كَما هَدَرَ الفَنيقُ المُصعَبُ
لَمّا رَأَى نَعمانَ حَلَّ بِكَرفِىءِ
عَكَرَ كَما لَبَجَ النُزولَ الأَركُبُ
وَالسِدرُ مُختَلَجٌ وَأُنزِلَ طافِياً
ما بَينَ عَينَ إِلى نَباةَ الأَثأَبُ
وَالأَثلُ مِن سَعيا وَحَليَةَ مُنزَلٌ
وَالدَومُ جاءَ بِهِ الشُجونُ وَفَعُليَبُ
ثُمَّ اِنتَهى بَصَري وَأَصبَحَ جالِساً
مِنهُ لِنَجدٍ طائِفٌ مُتَغَرِّبُ
وافَت بِأَسحَمَ فاحِمٍ لا ضَرَّهُ
قَصَرٌ وَلا حَرِقُ المَفارِقِ أَشيَبُ
كَذَوائِبِ الحَفَأِ الرَطيبِ غَطا بِهِ
غَيلٌ وَمَدَّ بِجانِبَيهِ الطُحلُبُ
وَمُنَصَّبٍ كَالأُقحُوانِ مُنَطَّقُ
بِالظُلمِ مَصلوتِ العَوارِضِ أَشنَبُ
كَسُلافَةِ العِنَبِ العَصيرِ مِزاجُهُ
عودٌ وَكافورٌ وَمِسكٌ أَصهَبُ
خَصِرٌ كَأَنَّ رُضابَهُ إِذ ذُقتَهُ
بَعدَ الهُدوءِ وَقَد تَعالى الكَوكَبُ
أَريُ الجَوارِسِ في ذُؤابَةِ مُشرِفٍ
فيهِ النُسورُ كَما تَحَبّى المَوكِبُ
مِن كُلِّ مُعنِقَةٍ وَكُلِّ عِطافَةٍ
مِمّا يُصَدِّقُها ثَوابٌ يَزعَبُ
مِنها جَوارِسُ لِلسَّراةِ وَتَأتَري
كَرَباتِ أَمسِلَةٍ إِذا تَتَصَوَّبُ
فَتَكَشَّفَت عَن ذي مُتونٍ نَيِّرٍ
كَالرَيطِ لا هِفٌّ وَلا هُوَ مُخرَبُ
وَكَأَنَّ ما جَرَسَت عَلى أَعضادِها
حينَ اِستَقَلَّ بِها الشَرائِعُ مَحلَبُ
حَتّى أُشِبَّ لَها وَطالَ إِيابُها
ذو رُجلَةٍ شَثنُ البَراثِنِ جَحنَبُ
مَعَهُ سِقاءٌ لا يُفَرِّطُ حَملَهُ
صُفنٌ وَأَخراصٌ يَلُحنَ وَمِسأَبُ
صَبَّ اللَهيفُ لَها السُبوبَ بِطَغيَةٍ
تُنبي العُقابَ كَما يُلَطُّ المُجنَبُ
وَكَأَنَّهُ حينَ اِستَقَلَّ بَريدِها
مِن دونِ وَقبَتِها لَقاً يَتَذَبذَبُ
فَقَضى مَشارَتَهُ وَحَطَّ كَأَنَّهُ
خَلَقٌ وَلَم يَنشَب بِما يَتَسَبسَبُ
فَأَزالَ ناصِحَها بِأَبيَضَ مُفرَطٍ
مِن ماءِ أَلهابٍ عَلَيهِ التَألَبُ
وَمِزاجُها صَهباءُ فَتَّ خِتامَها
قَرِطٌ مِنَ الخُرسِ القِطاطِ مُثَقَّبُ
فَكَأَنَّ فاها حينَ صُفِّيَ طَعمُهُ
وَاللَهِ أَو أَشهى إِلَيَّ وَأَطيَبُ
فَاليَومَ إِمّا تُمسِ فاتَ مَزارُها
مِنّا وَتُصبِح لَيسَ فيها مَأرَبُ
فَالدَهرُ لا يَبقى عَلى حَدَثانِهِ
أَنَسٌ لَفيفٌ ذو طَوائِفَ حَوشَبُ
في مَجلِسٍ بيضِ الوُجوهِ يَكُنُّهُم
غابٌ كَأَشطانِ القَليبِ مُنَصَّبُ
مُتَقارِبٌ أَنسابُهُم وَأَعِزَّةٌ
توقى بِمِثلِهِمُ الظُلامُ وَتُرهَبُ
فَإِذا تُحومِيَ جانِبٌ يَرعَونَهُ
وَإِذا يَجيءُ نَذيرُهُ لَم يَهرُبوا
بُذَخاءُ كُلُّهُمُ إِذا ما نوكِروا
يُتقى كَما يُتقى الطَلِيُّ الأَجرَبُ
ذو سَورَةٍ يَحمي المُضافَ وَيَحتَمي
مَصِعٌ يَكادُ إِذا يُساوَرُ يَكلَبُ
بَيناهُمُ يَوماً كَذلِكَ راعَهُم
ضَبرٌ لِباسُهُم الحَديدُ مُؤَلَّبُ
تَحميهُمُ شَهباءُ ذاتُ قَوانِسٍ
رَمّازَةٌ تَأبى لَهُم أَن يُحرَبوا
مِن كُلِّ فَجٍّ تَستَقيمُ طِمِرَّةٌ
شَوهاءُ أَو عَبلُ الجُزارَةِ مِنهَبُ
خاظي البَضيعِ لَهُ زَوافِرُ عَبلَةٌ
عوجٌ وَمَتنٌ كَالجَديلَةِ سَلهَبُ
وَحَوافِرٌ تَقَعُ البَراحَ كَأَنَّما
أَلِفَ الزِماعَ بِها سِلامٌ صُلَّبُ
يَهتَزُّ في طَرَفِ العِنانِ كَأَنَّهُ
جِذعٌ إِذا فَرَعَ النَخيلَ مُشَذَّبُ
فَحَبَت كَتيبَتُهُم وَصَدَّقَ رَوعَهُم
مِن كُلِّ فَجٍّ غارَةٌ لا تَكذِبُ
لا يُكتَبونَ وَلا يُكَتُّ عَديدُهُم
حَفَلَت بِجَيشِهِمُ كَتائِبُ أَوعَبوا
وَإِذا يَجيءُ مُصَمِّتٌ مِن غارَةٍ
فَيَقولُ قَد آنَستُ هَيجاً فَاِركَبوا
طاروا بِكُلِّ طِمِرَّةٍ مَلبونَةٍ
جَرداءَ يَقدُمُها كُمَيتٌ شَرجَبُ
فُرُموا بِنَقعٍ يَستَقِلُّ عَصائِباً
في الجَوِّ مِنهُ ساطِعٌ وَمُكَثَّبُ
فَتَعاوَروا ضَرباً وَأُشرِعَ بَينَهُم
أَسَلاتُ ما صاغَ القُيونُ وَرَكَّبوا
مِن كُلِّ أَظمى عاتِرٍ لا شانَهُ
قِصَرٌ وَلا راشُ الكُعوبِ مُعَلَّبُ
خِرقٍ مِن الخَطِّيِّ أُغمِضَ حَدُّهُ
مِثلِ الشِهابِ رَفَعتَهُ يَتَلَهَّبُ
مِمّا يُتَرَّصُ في الثِقافِ يَزينُهُ
أَخذى كَخافِيَةِ العُقابِ مُحَرَّبُ
لَذٍّ بِهَزَّ الكَفِّ يَعسِلُ مَتنُهُ
فيهِ كَما عَسَلَ الطِريقَ الثَعلَبُ
فَأَبارَ جَمعَهُمُ السُيوفُ وَأَبرَزوا
عَن كُلِّ راقِنَةٍ تُجَرُّ وَتُسلَبُ
وَاِستَدبَروهُم يُكفِئونَ عُروجَهُم
مَورَ الجَهامِ إِذا زَفَتهُ الأَزيَبُ
- 4 -
وقال أيضا
يا لَيتَ شِعري أَلا مَنجى مِنَ الهَرَمِ
أَم هَل عَلى العَيش بَعدَ الشَيبِ مِن نَدَمِ
وَالشَيبُ داءٌ نَجيسٌ لا دَواءَ لَهُ
لِلمَرءِ كانَ صَحيحاً صائِبَ القُحَمِ
وَسنانُ لَيسَ بِقاضٍ نَومَةً أَبَداً
لَولا غَداةُ يَسيرُ الناسُ لَم يَقُمِ
في مَنكِبَيهِ وَفي الأَصلابِ واهِنَةٌ
وَفي مَفاصِلِهِ غَمزٌ مِنَ العَسَمِ
إِن تَأتِهِ في نَهارِ الصَيفِ لا تَرَهُ
إِلّا يُجَمِّعُ ما يَصلى مِنَ الحُجَمِ
حَتّى يُقالَ وَراءَ البَيتِ مُنتَبِذاً
قَم لا أَبا لَكَ سارَ الناسُ فَاِحتَزِمِ
فَقامَ تُرعَدُ كَفّاهُ بِمِحجَنِهِ
قَد عادَ رَهباً رَذِيّاً طائِشَ القَدَمِ
تَاللَهِ يَبقى عَلى الأَيّامِ ذو حِيَدٍ
أَدفى صَلودٌ مِنَ الأَوعالِ ذو خَدَمِ
يَأوي إِلى مُشمَخِرّاتٍ مُصَعِّدَةٍ
شُمٍّ بِهِنَّ قُروعُ القانِ وَالنَشَمِ
مِن فَوقِهِ شَعَفٌ قَرٌّ وَأَسفَلُهُ
جِىٌّ تَنَطَّقَ بِالظَيّانِ وَالعَتَمِ
مُوَكَّلٌ بِشُدوفِ الصَومِ يَنظُرُها
مِنَ المَغارِبِ مَخطوفُ الحَشا زَرمُ
حَتّى أُتيحَ لَهُ رامٍ بِمُجدَلَةٍ
جَشءٍ وَبيضٍ نَواحيهِنَّ كَالسَجَمِ
فَظَلَّ يَرقُبُهُ حَتّى إِذا دَمَسَت
ذاتُ العِشاءِ بِأَسدافٍ مِنَ الغَسَم
ثُمَّ يَنوشُ إِذا آدَ النَهارُ لَهُ
بَعدَ التَرَقُّبِ مِن نيمٍ وَمِن كَتَمِ
دَلّى يَدَيهِ لَهُ سَيراً فَأَلزَمَهُ
نَفّاحَةً غَيرَ إِنباءٍ وَلا شَرِمِ
فَراغَ مِنهُ بِجَنبِ الرَيدِ ثُمَّ كَبا
عَلى نَضِىٍّ خِلالَ الصَدرِ مُنحَطِم
وَلا صُوارٌ مُذَرّاةٌ مَناسِجُها
مِثلُ الفريدِ الَّذي يَجرى مِنَ النُظُمِ
ظَلَّت صَوافِنَ بِالأَرزانِ صادِيَةً
في ماحِقٍ مِن نَهارِ الصَيفِ مُحتَدِمِ
قَد أوبِيَت كُلَّ ماءٍ فَهِيَ طاوِيَةٌ
مَهما تُصِب أُفُقاً مِن بارِقٍ تَشِمِ
حَتّى شَآها كَليلٌ مَوهِناً عَمِلٌ
باتَت طِراباً وَباتَ اللَيلَ لَم يَنَمِ
كَأَنَّ ما يَتَجَلّى عَن غَوارِبِهِ
بَعدَ الهُدوءِ تَمَشّي النارُ في الضَرَمِ
حَيرانُ يَركَبُ أَعلاهُ أَسافِلَهُ
يُخفى جَديدَ تُرابِ الأَرضِ مُنهَزِمُ
فَأَسأَدَت دَلَجاً تُحيى لِمَوقِعِهِ
لَم تَنتَشِب بوعوثِ الأَرضِ وَالظُلَمِ
حَتّى إِذا ما تَجَلّى لَيلُها فَزِعَت
مِن فارِسٍ وَحَليفِ الغَربِ مُلتَئِمِ
فَاِفتَنَّها في فَضاءِ الأَرضِ يَأفِرُها
وَأَصحَرَت عَن قِفافٍ ذاتِ مُعتَصَمِ
أَنحى عَلَيها شُراعِيّاً فَغادَرَها
لَدى المَزاحِفِ تَلّى في نُضوخِ دَمِ
فَكانَ حَتفاً بِمِقدارٍ وَأَدرَكَها
طولُ النَهارِ وَلَيلٌ غَيرُ مُنصَرِمِ
هَل اِقتَنى حَدَثانُ الدَهرِ مِن أَنَسٍ
كانوا بِمَعيَطَ لا وَخشٍ وَلا قَزَمِ
كَيداً وَجَمعاً بِآناسٍ كَأَنَّهُمُ
أَفنادُ كَبكَبَ ذاتُ الشَثِّ وَالخَزَمِ
يُهدى اِبنُ جُعشُمٍ الأَنباءَ نَحوَهُمُ
لا مُنتَأَى عَن حِياضِ المَوتِ وَالحُمَمِ
يَخشى عَلَيهِم مِنَ الأَملاكِ بائِجَةً
مِنَ البَوائِجِ مِثلَ الخادِرِ الرُزَمِ
ذا جُرأَةٍ تُسقِطُ الأَحبالَ رَهبَتُهُ
مَهما يَكُن مِن مَسامٍ مَكرَهٍ يَسُمِ
يُدعَونَ حُمساً وَلَم يَرتَع لَهُم فَزَعٌ
حَتّى رَأَوهُم خِلالَ السَبيِ وَالنَعَمِ
بِمُقرَباتٍ بِأَيديهِم أَعِنَّتُها
خوصٍ إِذا فَزِعوا أُدغِمنَ في اللُجُمِ
يوشونَهُنَّ إِذا ما نابَهُم فَزَعٌ
تَحتَ السَنَوَّرَ بِالأَعقابِ وَالجِذَمِ
فَأَشرَعوا يَزَنِّياتٍ مُحَرَّبَةً
مِثلَ الكَواكِبِ يَسّاقَونَ بِالسِمَمِ
كَأَنَّما يَقَعُ البُصرِيُّ بَينَهُمُ
مِنَ الطَوائِفِ وَالأَعناقِ بِالوَذَمِ
يُجَدَّلونَ مُلوكاً في طَوائفِهِم
ضَرباً خَراديلَ كَالتَشقيقِ في الأُدَمِ
ماذا هُنالِكَ مِن أَسوانَ مُكتَئِبٍ
وَساهِفٍ ثَمِلٍ في صَعدَةٍ حِطَمِ
وَخِضرِمٍ زاخِرٍ أَعراقُهُ تَلِفٍ
يُؤوي اليَتيمَ إِذا ما ضُنَّ بِالذِمَمِ
وَشَرجَبٍ نَحرُهُ دامٍ وَصَفحَتُهُ
يَصيحُ مِثلَ صِياحِ النَسرِ مُنتَحِمِ
مُطَرِّفٍ وَسطَ أولى الخَيلِ مُعتَكِرٍ
كَالفَحلِ قَرقَرَ وَسطَ الهَجمَةِ القَطِمِ
وَحُرَّةٍ مِن وَراءِ الكورِ وارِكَةٌ
في مَركَبِ الكُرهِ أَو تَمشي عَلى جَشَمِ
يُذرينَ دَمعاً عَلى الأَشفارِ مُنحَدِراً
يَرفُلنَ بَعدَ ثِيابِ الخالِ في الرُدُمِ
فَاِستَدبَروهُم فَهاضوهُم كَأَنَّهُم
أَرجاءُ هارٍ زَفاهُ اليَمُّ مُنثَلِمِ
فَجَلَّزوا بِأُسارى في زِمامِهِمُ
وَجامِلٍ كَحَريمِ الطَودِ مُقتَسَمِ
تعليقات
إرسال تعليق