الدولة العثمانية


كتبت عدة مقالات عن الدولة العثمانية في أحد المنتديات ما بين عامي 2004 و 2006 وسقت فيها عوامل سقوط الدولة العثمانية وأنها لم تكن دولة إسلامية ولا خلافة بل كانت احتلالا بغيضا ربض فوق رقاب العرب وحولهم من شعب حر إلى عبيد أقنان يعملون في أراضيهم وبلادهم كعبيد لدى الدولة العثمانية التي كانت تتفق مع ملتزمين وهم مقاولون جمع إتاوات تتقاضاها الدولة العثمانية تحت نظام الالتزام والملتزم كان يستلم الولاية كإقطاعية بأرضها وناسها وأبقارها كعبيد وعمال أرض والملتزم تقاول مع الدولة العثمانية على أن يدفع لها كماً معينا من المال فرضته على الدول وله أن يفعل ما يستطيعه باستحلال الناس استحلالا تاما كعبيد فعليا وله أن يلزمهم بما شاء حتى لو فاق طاقتهم حتى لو قضى عليهم تحت وطأة الاستغلال والاستعباد ولكن المهم أن يفي للدولة العثمانية بما تقاول عليه.
وكان عدد العرب كتعداد سكاني ضعيف جدا مثلا كانت مصر تقريبا ما يقارب مليوني نسمة قبل تولي محمد علي مباشرة رغم أنهم كانوا أضعاف هذا العدد في عهد المماليك والمفترض أن منحنى التعداد السكاني يكون عادة في حالات الرخاء والازدهار أو حتى متوسط النمو يكون المنحنى مرتفعا ولو بصورة طفيفة ولكن في حالات المشاكل والكوارث حمى الله بلادنا منها يكون المنحنى منخفضا وكان هذا حال المنحنى السكاني العربي خلال فترة حكم الدولة العثمانية وقد ارتفع منحنى التعداد السكاني في دولة كمصر مثلا أضعاف أضعاف بعد تولي محمد علي حكمها.
ومنحنيات التقدم العلمي والنمو الاقتصادي والتوسع الزراعي والعمراني في الوطن العربي كان منخفضا بل أكاد أجزم أن في عهد الدولة العثمانية هناك مدنا عربية اختفت من الوجود وأصبحت أثرا أو خرابات فقد كان انكباب الدولة العثمانية على عمران مدينة واحدة هي عاصمة الدولة العثمانية فقط وليس أي مدنية في أي ولاية تابعة
وكتبت أيضا أن الدولة العثمانية قضت على روح الوطنية والحمية للوطن في نفوس العرب بأن ألغت أي نظام تجنيد يحمي به المواطنون المحليون بلادهم ومنعوهم من المشاركة في حماية بلادهم وأوكلوا أمر حماية المستعمرات العربية إلى حاميات تركية كان لها الحق في استحلال ما تشاء في هذه البلاد لتكون مستعدة لحمايتها من أي طرف خارجي .
فصارت البلاد بمجرد هروب الحاميات التركية مساحات مفتوحة وكلأ مباحا لكل عابر سبيل يدخلها ويحتلها بلا أي مقاومة .
كانت مقالات مطولة لعلي أعثر عليها في بقايا كتاباتي يوما إن شاء الله .
وسقت بين يدي هذه المقالات مقالة للدكتور لويس عوض من مقدمته الضافية البديعة لترجمته لمسرحية بروميثوس طليقا لشلي
ألحقتها في نهاية التدوينة لمن يريد قراءتها .
وبسبب هذه المقالات ربما لا زلت أعاني فعلى ما يبدو أنني دخلت عش دبابير دون أن أدري حيث اكتشفت أن المساس بالدولة العثمانية عند المنتمين لبعض الجماعات الدينية يعد مساسا بالإسلام رغم أن الدولة العثمانية جنت على الإسلام أكثر من أي أحد وخربت بلاد العرب ومهدت الطريق أمام القوى الاستعمارية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين لتدخل بكل سهولة إلى بلاد العرب وبلاد المسلمين .
بل ربما لم يشهد العرب نهضة إلا بخلاصهم من الدولة العثمانية وحتى لا يتقول مغفلو الجماعات الدينية والمخدوعين من العرب الأمر ليس في احتلال دول أوروبا لبلاد العرب وما شابه من جرائم أو إصلاحات .
ولكن الأمر المهم هو أن التخلص من الدولة التركية جعل العرب في بعض الأحيان يحكمون أنفسهم بحكام عرب محليين فكان تركيزهم على إصلاح بلادهم أكبر وكان تركيزهم على نهضة البلاد بل إن حكام كمحمد علي جعل مصر تكاد تصل إلى حدود الدولة العظمى التي كادت أن تهدم الدولة العثمانية وترثها لولا تآمر الغربيين عليه وخوفهم من تعاظم أمره مع المصريين فحتى لو كان محمد علي يخشى المصريين ويستبدلهم بأجانب في بناء الدولة والاستحواذ عليها إلا أن بعض هؤلاء الأجانب كان أخلص لمصر من محمد علي نفسه وكان بعضهم فرنسيون مسلمون أو غير مسلمين ومنهم القائد العام وباني الجيش المصري وهو الجيش الذي كاد أن يحطم الدولة العثمانية وتمصر وصار مصريا .
وكذلك ما يمكن تسميته بأول وزير صحة مصري أنطوان براثيليمي كلوت بك الطبيب الفرنسي أول من أنشأ كلية للطب الحديث في مصر وأول كلية صيدلية ومدرسة طبية للسيدات القابلات
وغيرهم في مجالات كثيرة ممن تحمل شوارع المدن المصرية أسماءهم ممن ساهموا في نهضة مصر الحديث وحماية آثارها مخلصين لمصر أكثر من مصريين كثيرين .
وإن يكن كثيرون من حكام العرب أقل شرا من ولاة الدولة العثمانية لكن على كل حال فهم لصوص وطنيون كانوا أرحم كثيرا من الدولة العثمانية وملتزميها .
وخروج العرب من حالة عبودية الأقنان عبيد الأرض إلى حالة ملاك الأراضي بعد زوال ظل الدولة العثمانية فمثلا بدأ المصريون ربما ولأول مرة وعلى نطاق واسع في عهد الخديو إسماعيل في تملك الأراضي حين اتفق مع الفلاحين على أن يدفعوا أثمان الأرض مقدما للدولة ليمول حملاته في أفريقيا ومشاريعه التنموية والتقدمية والتي وإن أضعفت الدولة إلا أنها تقدمت بمصر خطوات واسعة في محاولة للحاق بالعالم المتقدم ولولا تعثرات وأخطاء ما كان يجب أن تحدث لكانت مصر على يد إسماعيل اليوم سابقة في الأمم.
أنشر هذا المقال اليوم لأقول فقط أنني لم أغير رأيي يوما
ورغم أن كتاباتي التي كنت أنويها عن الدولة العثمانية قد توقفت إلا أنني في أثناء بحثي كنت أجد الدولة العثمانية دولة لا شأن لها بالدين ولديها الاستعداد الكامل للتضحية بأي دولة تتبعها وبشعبها لمستعمر أجنبي في مقابل أن يتنازل لها عن مناطق أكثر أهمية بالنسبة لها أو للتضحية بدول كاملة وبشعوب مسلمين في مقابل أن يبقى رأس السلطان في مكانه أو أن يبقى جيبه عامرا أو أن تحتفظ الدولة العثمانية بوجودها من الأساس. ومن ينظر لتقلب الدولة العثمانية في الحروب والتحالفات والتصالحات , من حربها مع روسيا ثم صلحها معها وحربها مع إنجلترا وفرنسا ثم صلحها معهما أو مع بقية دول أوروبا وغيرها , كل ذلك من أجل معارك وقتية ولعب على الأوتار يخبرك بأنها دولة بلا مبادئ وتنازلاتها أثناء هذه الحروب وهذه التصالحات والتحالفات عن مناطق تتبعها لصالح المحاربين أو المصالحين والحلفاء يخبرك يقينا أنها ليس لديها عزيز لا في الدين ولا في الأوطان والشعوب وذلك مستمر.
وحروبها مع الدول العربية قامت على اصطياد الخونة وتجنيدهم وإسقاط الدول بهم قبل الحروب كما حدث مع دولة المماليك , يدلك على أنها دولة بلا مبادئ وتنكيلها بالشعوب التي سقطت في يدها كما حدث مع سلاطين المماليك وشعوب سلطنتهم وإعدامهم لهم بكل وحشية يدلك على أنهم أشبه ما يكونون بالمغول الذين كانوا يفعلون نفس الأفعال حتى بمن استسلم لهم تخويفا لمن بعدهم حتى لا يقاوموا.
ولا أظن أن هذه السياسات اختلفت في شيء .
تصوري للدولة العثمانية كان كرجل ضخم الجثة جدا اهتم بمعدته ولم يحم أطرافه ومن شدة شراهته لالتهام الدول صار قلبه غير قادر على التحمل .
وربما لو كان للدولة العثمانية قلوبا كثيرة لما سقطت : بأن اهتمت بالولايات التابعة لها وصارت كل ولاية دولة قائمة بذاتها كما كانت الدولة في عهد عمر بن الخطاب مثلا وكان رضي الله عنه يمنح استقلالية كاملة للولايات للتصرف واستخدام من أراد اللحوق بالدولة من سكان البلد الأصلي فيتم الترحيب به ولولا التحاق سكان البلاد الأصلية لما فتحت الدول المجاورة لها وقد كانت الولايات في كثير من الأحيان أقوى من قلب الدولة حتى أن ولاية كمصر أنقذت الدولة كاملة من السقوط بمساعداتها .
ولو اتبعت الدولة العثمانية سياسة النبي صلى الله عليه وسلم في أن الأصل في أموال الزكاة وأموال الخراج أن تصرف في بلد الوجوب وبلد الجمع قبل أن ينقل الفائض لمساعدة باقي الدولة الكبيرة .
بل كانت الدولة العثمانية دولة احتلال لا يهمها سوى الجمع ولم تسس الدول بسياسة المسلمين كسياسة قائمة على الدين فالأصل أن جمع المال يجمع لصالح مكانه وبلده الذي جمع فيه أولا ثم ينقل الفائض لعاصمة الدولة الأم إن احتاجت ولكن الدولة العثمانية كانت عكس ذلك تماما كانت دولة نهب لخيرات وممتلكات الدول وليس هذه بسياسة مسلمين ولا حكم إسلام بل نفس سياسة الاستعمار الدائمة.
أكتب هذا الكلام اليوم أيضا لأذكر نفسي أن أدعو الله أن لا يمكن للدولة العثمانية في بلادنا ثانية وأن يكبت عنا أذنابها في بلادنا .
أنا عربي من أصول عربية من أقدم القدم ولم أنتمِ لجماعات محبة للدولة العثمانية وعانيت كثيرا بسبب نشري لرأيي عن الدولة العثمانية في منتديات الإنترنت بل أكاد أقول أنني بسبب هذه المقالات عانيت معاناة شديدة من محبي الدولة العثمانية الذين تواصوا بي (خيرا).
لعلي أكون واضحا و صريحا بما فيه الكفاية
جزء من مقدمة الدكتور لويس عوض الرائعة وفيه الجزء الذي أوردته في مقالتي عن الدولة العثمانية.




تعليقات

المشاركات الشائعة