القصيدة الخالدة ـ نونية أبي العلاء في رثاء أبيه ـ من بحر الطويل
=======================
قصيدة أبي العلاء في رثاء أبيه
من بحر الطويل
=======================
هذه قصيدة أبي العلاء في رثاء والده رحمهما الله والقصيدة من أجمل ما كتب أبو العلاء رغم الحزن الذي بها , وهذه القصيدة اتخذ الجهلة المجرمون أبياتا مقتطعة منها سببا في تكفير أبي العلاء والقصيدة ما هي إلا وثيقة إيمان لأبي العلاء ولوالده رحمهما الله ولكن الاقتطاع والاجتزاء من النص الذي يمارسه الجهلة أحيانا قد يودي بالأبرياء إلى أماكن كان جديرا بهم أن لا يذكر اسمهم فيها فيكفرون أئمة العلم والدين الذين لم يكن دنسٌ منهم ليعلم مقدار كتيب صغير من علمهم ويتفاخر بأنه استطاع أن يمسك زلة على أبي العلاء وهي زلة يلقى به المكفر الجهول ربه ليكون أحق بها وأولى , والأدهى من ذلك أنك تجد أئمة في الأدب وتحقيق التاريخ الأدبي كمثل مصطفى صادق الرافعي الذي نقل كلام جهال التاريخ قبله ليلحق بهم في الكتابة بما يسيء لأبي العلاء فيسقط في مستنقع الجهل أيضا ويعيب على الإمام ويثبت أنه وإن كان في الأدب مجيدا وفي النثر مبدعا إلا أن رأيه في إهالة التراب على الأبرياء كأبي العلاء رأي ناقل لا يعفيه من المساءلة أمام الله ونقلت لمن أراد بعض كلام الرافعي في كتابه العظيم وحي القلم عيبه واتهامه الفج الذي يصل إلى حد التكفير في نهاية هذه المقالة لمن أراد الاستزادة وقد قرأته ورقا في نسختي من كتاب وحي القلم وأعدت قراءته ألكترونيا *. وهذه مقولات الرافعي مختصرة من سياقها في مقاله عن علي محمود طه :
"ظلالًا من الحيرة أو الشك، كتلك التي في قصيدة "الله والشاعر"، وأظنه يتابع فيها المعري"
"ولا العراك مع الله كما صنع المعري وأضرابه في طيشهم وحماقتهم ."
وهي في نصها موجودة لمن أراد الاستزادة في العنوان التالي من على مكتبة مؤسسة هنداوي
مقال الملاح التائه ـ من كتاب وحي القلم ـ لمصطفى صادق الرافعي ـ من مكتبة مؤسسة هنداوي الخيرية
وأيضا في أي نسخة ألكترونية كنسخة المكتبة الشاملة الخيرية وعلى النسخ المصورة من الكتاب المطبوع قديما وحديثا أيضا وموجودة على مكتبات الكتب المصورة PDF.
وأيضا في أي نسخة ألكترونية كنسخة المكتبة الشاملة الخيرية وعلى النسخ المصورة من الكتاب المطبوع قديما وحديثا أيضا وموجودة على مكتبات الكتب المصورة PDF.
ومن أراد استزادة في هذه التهم عند القدماء فليقرأ كتاب ( الإنصاف والتحري، في دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري ) لابن العديم اشتريت نسخته الورقية في نهاية التسعينات من مطبوعات الهيئة العامة المصرية للكتاب بتحقيق مجموعة كبار المحققين وموجودة الآن على الإنترنت نسخة مصورة ونسخة نصية وورد لمن أرادها .
وهذا وإن دل فيدل على أن كلمة يلقيها مجرم جاهل حقود في كتاب يتناقلها بعده المجرمون من كتاب التاريخ بلا تحقيق ولا تدقيق ليصير حكما بالإدانة على بريء مدة الزمن .
وقد يتناقل كتابات أبي العلاء محبون جهال لأبي العلاء فنجد شاعرا يكتب ديوانا أو قصيدة فسلفية مطولة توحي بشكوكه ويقول أنه من وحي أبي العلاء.
دليلا على أن من قرأوا شعر أبي العلاء لم يفهموا شيئا فمنهم من اتبع هواه وكفره ومنهم من اتبع هواه وجعله سببا في شكوكه وأبو العلاء منهما براء وليس في كلامه لا شكوك ولا شيئ بل فهم عميق للدين وللقرآن وللحديث وخاصة أن الرجل له جزء في الحديث على ما نسب إليه من كتب .
=======================
قصيدة أبي العلاء في رثاء أبيه ـ من بحر الطويل
=======================
نقمتُ الرّضَى حتى على ضاحكِ المُزْنِ
فلا جادَني إلا عَبوسٌ منَ الدَّجنِ
فَلَيتَ فَمي إن شامَ سِنّي تبَسُّمي
فمُ الطّعنةِ النّجْلاءِ تَدْمى بلا سِنِّ
كأنّ ثَناياهُ أوَانِسُ يُبْتَغَى
لها حُسنُ ذِكْرٍ بالصّيانةِ والسّجنِ
أنا حزين حتى أنني ناقم على السحاب الماطر وتمنيت لو أنني لم يمطرني إلا العابس من السحب الماطرة لعل دجنها الشديد يصيبني ومن حزني تمنيت أن فمي إن أردت تبسما أن يكون جرحا يدمى بلا سبب أو كأن ثناياه فتيات جميلات يحسن بهن الصيانة وحسن الذكر حتى ولو بالسجن .
أبي حَكَمَتْ فيهِ اللّيالي ولم تَزَلْ
رِماحُ المَنايا قادِراتٍ على الطّعنِ
مضَى طاهر الجثمان والنّفس والكرَى
وسُهدِ المنى والجَيبِ والذيلِ والرُّدنِ
أبي غاب مرت به الحدثان كرماح المنايا وهي مصيبة لا محالة فمضى طاهرا ذاتا وقالبا ونفسا وجوهرا وخلالا شريفة وذيلا غير مدنس برجس الدنايا .
فيا لَيتَ شِعري هل يَخِفّ وَقارُهُ
إذا صَارَ أُحْدٌ في القِيامَةِ كالعِهْنِ
وهلْ يرِدُ الحوْضَ الرّويَّ مُبادِراً
معَ النّاسِ أمْ يأبَى الزّحامَ فَيَستأني
حِجىً زادَهُ من جُرْأةٍ وسَماحةِ
وبعضُ الحجى داعٍ إلى البخلِ والجُبنِ
وإني لأتسائل وقد كان أبي وقورا مهيبا هل يوم القيامة عندما ينسف الله الجبال كما قال الله تعالى (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ) فيكون جبل أحد يوم القيامة كالصوف المندوف ضعفا وتكسرا هل يخاف أبي أم يمنعه وقاره وهيبته من الخوف وهو يوم الخوف , وهل يا ترى على حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يسرع لينال شربة من يد رسول الله أم أن حشمته ووقاره يمنعانه من التزاحم مع المتزاحمين على الحوض فينتظر لعله يظفر بشربة هنيئة لا زحام فيها , وهي رزانته وعقله اللذان زاداه جرأة وسماحة وأحيانا يدعو العقل والرزانة إلى البخل والجبن .
على أُمّ دَفْرٍ غَضْبَةُ اللّهِ انّها
لأجْدَرُ أُنْثَى أنْ تَخونَ وأن تُخني
كَعابٌ دُجاها فَرْعُها ونَهارُها
مُحيّاً لها قامتْ له الشمسُ بالحُسنِ
رآها سليلُ الطّينِ والشّيبُ شامِلٌ
لها بالثّرَيّا والسّماكَينِ والوَزْنِ
زمانَ تَوَلّتْ وأدَ حَوّاءَ بِنتِها
وكم وأدَتْ في إثْرِ حَوّاء مِن قَرْنِ
كأنّ بنيها يُولَدونَ وما لهَا
حليلٌ فتخشَى العارَ إن سَمحتْ بابْنِ
جَهِلْنا فلم نَعلمْ على الحِرْص ما الذي
يُرادُ بنا والعِلْمُ للّهِ ذي المَنِّ
ألا غضبة الله على الدنيا فإنها أنثى خائنة لعوب , جميلة وليلها كعودها ووجهها النهار الذي كانت له الشمس حسنا على حسن وقد رآه ابن آدم سليل الطين وقد علاها الشيب بالنجوم التي في السموات , وقد دفنت الدنيا ابنتها حواء قبل وبعدها الكثير من الناس في القرون المتعاقبة وكأن الناس الذين تلدهم الدنيا أبناء غير شرعيين أنجبتهم بلا أب ولم تخش عار أن أنجبت أبناء بلا أب , ونحن بالطمع والحرص على الدنيا لا ندري ما تريده منا ومآلنا فيه رغم تجليه وظهوره والله ربنا المنان عز اسمه بكل شيء عليم.
إذا غُيِّبَ المَرْءُ استَسَر حَديثُهُ
ولم تُخْبِرِ الأفكارُ عَنْهُ بما يُغْني
تَضِلّ العُقولُ الهِبْرِزِيّاتُ رُشْدَها
ولم يَسلَمِ الرّأيُ القويُّ من الأفْنِ
وقد كانَ أربابُ الفَصاحَةِ كُلّما
رأوا حَسَناً عَدّوهُ من صَنعةِ الجنِّ
وما قارَنتْ شخصاً من الخلقِ ساعةً
منَ الدّهرِ إلا وَهيَ أَفْتَكُ من قِرْنِ
والإنسان إذا غيبه الموت غاب الحديث عنه معه ولم يدر أحد أين صار مصيره وليس من فكرة عما يصير إليه وحتى ما أخبرنا به الدين فهو وإن كان يقينا لأن الله أخبرنا به أو رسوله صلى الله عليه و سلم لكن بإجمال لا يعطيك المعلومة الدقيقة فأنت في خضم الأفكار لا تكاد تعرف أين صار الإنسان ففي الحديث أن الإنسان إذا مات قامت قيامته وهذا يقين عن فكرة الزمن في الدين وهو أن الزمن بالنسبة للإنسان دوران الوقت وتعاقب الليل والنهار وبالنسبة للميت لم يعد هذا مقياس زمانه لأن الناس حين تبعث كما في القرآن تُسأل كم لبثتم فيقولون لبثنا يوما أو بعض يوم كأنهم كانوا نائمين ساعات نومهم العادية أو زادت بعض شيء ومنهم من مات من عهد آدم عليه السلام وكلهم يقولون يوم بعثهم ( لبثنا يوما أو بعض يوم ) .
وهكذا يقين الدين الذين نؤمن به ليس في العلم الذي نتعلمه ونعيشه ما يغنينا لنعلم تفصيل يقين الدين فيه ولذا لا تغني العقول والأفكار عن الذين ماتوا بشيء والعقول الذكية لا تغني عن أصحابها في هذا الأمر بشيء ويعييها الأفن فتسلم إلى يقين الإيمان بعلم الله سبحانه الذي لا تحيط به العقول مهما بلغ ذكاؤها وإن الناس كلما رأوا في ملك الله شيئا عظيما ظنوا أنه من صنعة الجن حيث غاب عنهم فهم كنهه وتفصيل القدرة فيمن صنع والله بكل شيء عليم وهو على كل شيء قدير .
وما ساعة من ساعات الدهر تعاركت بقوتها مع إنسان من المخلوقين لصرعته كأنها ثور ذو قرنين وهي أفتك منه .
وَجَدْنا أذى الدّنيا لَذيذاً كأنّما
جَنى النّحلِ أصنافُ الشّقاء الذي نجني
والإنسان بمطامعه وحبه للدنيا ليجد أذى الدنيا لذيذا كعسل النحل مهما أصابنا من الشقاء الذي نجنيه .
فما رَغبتْ في الموْتِ كُدرٌ مَسيرُها
إلى الوِرْدِ خِمسٌ ثم يَشرَبنَ من أَجنِ
يُصادِفنَ صَقراً كلَّ يوْم وَلَيْلَةٍ
وَيَلْقَيْن شَرّاً مِن مَخالبِهِ الحُجنِ
وإن قطا الصحراء لا ترغب في الموت وهي تعيش عيشة مريرة وترد الماء بعد خمسة أيام من السير في الهواجر وتشرب ماءا عكرا راكدا وتطاردها الصقور كل يوم وكل ليلة بمخالبها الحادة المنحنية .
ولا قَلِقاتُ اللّيلِ باتَت كأنّها
من الأينِ والإدلاجِ بعضُ القنا اللُّدنِ
ضَرَبْنَ مَليعاً بالسّنابكِ أرْبَعاً
إلى الماء لا يَقدِرْنَ منهُ على مَعْنِ
ولا ركائب تعبت من الجري ليلا ونهارا كقطع الحديد اللدنة من كثرة الطرق والحرارة سرن طريقا صعبا بسنابكها أربعة أيام لتشرب الماء وقد يمنعن عنه .
وخوْفُ الرّدى آوَى إلى الكَهفِ أهلَهُ
وكَلّفَ نوحاً وابنَهُ عَمَلَ السّفنِ
وما استَعذَبَتهُ روحُ موسى وآدَمٍ
وقد وُعِدا من بعدِه جَنَّتَيْ عَدْنِ
وإن أهل الكهف عليهم السلام ما لجأوا إلى كهفهم إلا فرارا من الموت على يد الملك الظالم وما صنع نوح وأولاده عليهم السلام السفينة إلا فرارا من الموج والموت بأمر من الله لهم وكذلك لم يكن موسى عليه السلام ليجد طعم الموت عذبا وقبله كان آدم عليه السلام رغم أن المآل بوعدٍ من الله كان جنات عدن.
أمَوْلى القَوافي كم أراكَ انْقِيادُها
لك الفُصَحَاءَ العُرْبَ كالعَجَمِ اللُّكنِ
هَنيئاً لكَ البيتُ الجَديدُ مُوَسِّداً
يَمينَكَ فيهِ بالسّعادةِ واليُمْنِ
مُجاوِرَ سَكْنٍ في دِيارٍ بَعيدَةٍ
من الحيّ سَقياً للدّيار وللسَّكنِ
أبي يا سيد القوافي وقد ساقها لك الشعراء العرب الفصحاء والعجم بحروفهم اللكناء مديحا فيك . سيدي أبي هنيئا لك البيت الجديد على يمينك السعادة والرخاء وجيرانك الساكنون في ديار بعيدة جدا لا تزار سقى الله داركم بالغيوث .
طَلَبتُ يَقيناً مِنْ جُهَيْنَةَ عنهُمُ
ولن تخبريني يا جُهينَ سوَى الظّنِّ
فإنْ تَعْهَديني لا أزالُ مُسائِلاً
فإنّيَ لم أُعْطَ الصّحيحَ فأستَغني
وإني وإن كنت أتمنى لك الهناء دعاء وأمنية مني كابن محب لك يا أبتاه على أني يا أبي ليس لدي يقين ما آل إليه مآلك وما صرت إليه فمن لديه يقين النجاة فقد كان أبو بكر رضي الله عنه يقول أنه لو كان رجله في الجنة ما أمن مكر الله وهو أبو بكر وإن سألت من قد أظن به العلم عن خبرك ما دلوني إلا بالظن , واليقين عند الله وكلنا يقول نحسبه كذلك والله حسيبه لأننا لا نملك يقين النجاة الذي بيد الله العليم سبحانه بخفايا القلوب وأنا لا أزال أقول أنني لا أملك اليقين لأني لم أعط اليقين النهائي فأستغني عن السؤال ويطمئن قلبي .
وإنْ لم يَكُنْ للفَضْلِ ثَمّ مَزِيّةٌ
على النّقص فالوَيلُ الطويلُ من الغَبنِ
وإذا الفضل ليس بنافع أهله ليرفع مقامهم على الناقصين فيا له من غبن فادح واليقين في عدل الله هو غاية الأمل والله هو العدل.
أمُرّ بِرَبْعٍ كُنْتَ فيهِ كأنّمَا
أمُرّ منَ الإكرامِ بالحِجرِ والرُّكْنِ
وإني أذ أمر بمواطن كنت فيها يا أبي الحبيب فيزداد بي الحنين ويلهج قلبي كأنني من ولهي وحسرتي لغيابك كولهي وأنا بحرم الله في الكعبة بين الحجر والركن تكريما كتكريمي لحرم الله في قلبي وتشوقا و سرورا بكوني في الحرم أذ أمر بمواطن عاداتك.
وإجْلالُ مَغْناكَ اجتِهادُ مُقَصِّرٍ
إذا السّيفُ أوْدى فالعفاءُ على الجَفْنِ
وإجلال مغناك ومعناك يا أبتي اجتهاد محب مقصر إذ ما قيمة أي شيء بعد غيابك , كذلك فما قيمة الغمد الذي انكسر سيفه .
لقد مَسَخَتْ قلبي وفاتُكَ طائراً
فأقْسَمَ أنْ لا يَسْتَقِرّ على وَكْنِ
يُقْضّي بَقايا عَيْشِهِ وجَناحُهُ
حَثيثُ الدّواعي في الإقامةِ والظّعنِ
وإنني يا أبي لحزين عليك حزنا مسخ قلبي طائرا لا يكاد يستقر على غصن أو عش ويعيش بقايا عمره ممزق الجناح لا يكاد يحمله جناح حيث حل به في سفر أو إقامة .
كأنّ دُعاء الموتِ باسْمِكَ نَكْزَةٌ
فَرَتْ جَسَدي والسّمُّ يُنفثُ في أُذني
تَئنّ ونَصْبي في أنينِكَ واجِبٌ
كما وَجَبَ النّصْبُ اعترافاً على إنِّ
ضَعُفْتَ عن الإصْباحِ واللّيلُ
ذاهبٌ كما فَنيَ المِصْباحُ في آخرِ الوَهْنِ
وما أكثرَ المُثني علَيكَ ديانَةً
لو أنَّ حِماماً كانَ يَثنيهِ مَن يُثني
ويوم نعاك الناعي كأنما كان لدغة سممت أذني فتئن وأنا أصابني النصَبُ والتعب وكان النصب واجبا علي كما وجب النصْب على اسم إنَّ , و قد ضعفت في الإصباح عند فناء الليل كأني مصباح فني زيته ووهن ضوؤه .
والناس يمدحونك يا أبتاه بتقواك وديانتك لله فيا ليت الثناء والمدح يمنعون الموت عن الصالحين الممدوحين بالثناء الجميل .
يوافيكَ من ربّ العُلى الصّدقُ بالرّضَى
بَشيراً وتلقاكَ الأمانَةُ بالأمْنِ
ويَكْني شهيدُ المَرْءِ غيرِكَ هَيْبَةً
وبُقْيا وإنْ يُسألْ شهيدُكَ لا يكني
وبُقْيا وإنْ يُسألْ شهيدُكَ لا يكني
يُصَرِّحْ بقَوْلٍ دونَهُ المِسكُ نَفحةً
وفِعْلٍ كأمْواهِ الجِنانِ بِلا أَسْنِ
يَدٌ يَدَتِ الحُسْنى وأنفاسُ رَبّها
تُقىً ولسانٌ ما تحرّكَ باللَّسْنِ
وإن لأسأل الله رب العلى أن يوافيك عن الصدق والتقوى والديانة ببشارة وأن تلقاك أمانتك ودينك بالأمن في الجنات العلى , وإن الناس لتقول عن الراحلين لأهلهم شهيدكم إلاك يا أبتي إجلال لك وهيبة وبقيا ويقولون فيك كل قول عظيم كأنه المسك عطرا وسلسبيل الجنة عذوبة وقد كانت لك يد من الحسنى تقدمت وقدمت بأنفاس تقاك ولسانك المطهر عن ما يشين ويدين .
فليتَكَ في جَفني مُوارىً نَزاهَةً
بِتِلْكَ السّجايا عن حَشايَ وعن ضِبني
ولو حَفَرُوا في دُرّةٍ ما رَضِيتُها
لجِسْمِكَ إبْقاءً عَلَيْهِ منَ الدّفنِ
ولو أوْدَعُوكَ الجوّ خِفْنا مَصيفَهُ
ومَشتاهُ وازدادَ الضّنينُ منَ الضّنِّ
ويا ليتهم دفنوك بين جفني تطهيرا لك وحبا مني لك وتنزيها لك يا أبتاه ولو أنهم دفنوك في درة من الدر ما رضيتها لجسمك الطاهر حفاظا لكي تظل أمام عيني ولو تركوك في جو السماء لخفنا من حرارة الصيف وبرودة الشتاء وزدنا حرصا عليك من كل ذلك .
فيا قبرُ واهٍ مِنْ تُرابكَ لَيّناً
علَيهِ وآهٍ مِنْ جنادِلِكَ الخُشنِ
لأُطبِقتَ إطباقَ المَحارَةِ فاحتَفِظْ
بلؤلؤةِ المَجْدِ الحَقيقَةِ بالخزْنِ
فيا قبره أسلمنا إلى الله في مصابنا وأودعناك حبيبنا فكن به رحيما واجعل ترابك عليه لينا واحذر عليه من صخورك الخشنة وقد أطبقت عليه كالمحارة التي تطبق على اللؤلوة فاحتفظ بلؤلؤة المجد أبي الذي هو أمجد من اللؤلؤ وأهل للخزن عن اللؤلؤ .
فهلِ أنتَ إن ناديتُ رَمسكَ سامِعٌ
نداءَ ابنِكَ المَفجوعِ بل عبدِكَ القِنِّ
سأبكي إذا غنّى ابنُ وَرْقاءَ بَهجةً
وإن كانَ ما يَعنيهِ ضِدَّ الذي أعْني
ونادِبَةٌ في مِسْمَعي كُلُّ قَيْنَةٍ
تُغَرَدُ باللّحْنِ البَرِيّ عن اللّحنِ
ويا أبتي هل أنت سامعي إن ناديتك أنا ابنك المحب المفجوع بك لا بل أنا عبدك الخاضع , سأبكيك يا أبتي كلما بكت يمامة على غصن وإن كانت لا تبكي فراق أحبة كما أبكي , وإن كل مغنية في أذني لصارخة الأحزان مهما كان لحنها سعيدا وفصيحا من اللحن اللغوي الخاطئ .
وأحمِلُ فيكَ الحُزْنَ حَيّاً فإن أمُتْ
وألقَكَ لم أسلُكْ طرِيقاً إلى الحُزْنِ
وبَعدَكَ لا يَهوى الفُؤادُ مَسَرّةً
وإن خانَ في وَصْلِ السّرورِ فلا يَهني
وأنا حزين حتى نلتقي عند الله ساعتها يكون فرحي أن التقينا وجمعنا الله في مستقر الرحمة كما نحن آملون مرتجون من الله رحمته , فما أهوى يا أبتي بعدك المسرة وإن قلبي لو خانني وأرادها فيا ليته لا ينالها .
=============================
في مقاله عن علي محمود طه يقول الرافعي : التالي :
أما سائر أغراضه فإنسانية عامة، تتغنى النفس في بعضها، وتمرح في بعضها، وتصلي في بعضها؛ وليس فيها طيش ولا فجور ولا زندقة إلا ... ظلالًا من الحيرة أو الشك، كتلك التي في قصيدة "الله والشاعر"، وأظنه يتابع فيها المعري؛ ولست أدري كم ينخدع الناس بالمعري هذا، وهو في رأيي شاعر عظيم، غير أن له بضاعة من التلفيق تعدل ما تخرجه "لا نكشير" من بضائعها إلى أسواق الدنيا.
ومما يعجبني في شعر علي طه أنه في مناحي فلسفته وجهات تفكيره يوافق رأيي الذي أراه دائمًا، وهو أن ثورة الروح الإنسانية ومعركتها الكبرى مع الوجود -ليستا في ظاهر الثورة ولا العراك مع الله كما صنع المعري وأضرابه في طيشهم وحماقتهم، ولكنها في الهدوء الشعري للروح المتأملة.
وحي القلم (3/328)
تعليقات
إرسال تعليق