أفكار ـ خرافة العلم

خرافة العلم
على مدى العمر الذي عشته عملت في مهن عديدة يدوية في البداية في النجارة والجلود والكهرباء والأجهزة الكهربائية والدهانات وغيرها مررت بها كما يمر كثير من الأطفال في بلادنا حين يذهبون مع أهلهم ومحيطهم الاجتماعي إلى ورش الصناعات وقد لاحظت شيئا أن هذه المهن أغلبها قائمة على قدر من العلم تصل إلى حد الدقة الهندسية الصارمة في الكهرباء والفيزياء وميكانيكا الحركة وما شابه وأكثر من عايشتهم ويعملون بها بعضهم لا يكاد يقرأ ويكتب تقريبا وهم مجيدون جدا لمهنهم ربما إجادة لا يستطيعها خريج الكليات الهندسية الرفيعة وفي المجالات الحديثة من علوم الكمبيوتر واستخداماته الصناعية وجدت أكثر من استخدم هذه التقنيات الجديدة في الصناعة فيمن عرفت لم يكن أحد منهم يجيد علوم الكمبيوتر على الإطلاق بل تعلم استخدام الماكينات التي يشغلها الكمبيوتر عند شرائها أحيانا أو قبل شرائها بوقت قليل .
من كل ما سبق أكاد أجزم أن العلم المتداول حاليا في المجال التعليمي إجمالا وفي بلاد كثيرة وليس في مصر وحسب هو علم خرافي أو نحصل على خرافة العلم والدليل على ذلك أن أكثر خريجي الكليات الهندسية والعلمية لا يكادون يفقهون شيئا من العمل الذي ذهبوا إليه إلا بعد تدريبهم على يد الصناعيين أو العمليين الذين دربوهم ليكون لديهم المبادئ الأساسية العملية لاستخدام أدوات العمل وبعضهم لم يربط إطلاقا بين ما درسه في المدارس من أول يوم عمل وحتى ختام عمله وخروجه إلى المعاش.
بل نصعد بهذا الشكل إلى مستوى العلوم الطبية مثلا فالطبيب الشاب يخرج من الكلية لم يحدد تخصصه النهائي الذي سيعمل فيه وتعلمه أثناء فترة التدريب الأولى في عمله بعد تعيينه في المستشفيات بل وبعض الأطباء لم يدرس التخصص وظل ممارسا عاما ليس له الحق في العمل الخاص في عيادة خاصة به .
أي أن الطبيب تعلم الطب في المستشفى الذي عمل فيه وكانت دراسته في الكلية هي أشبه بدرجة عليا من الثقافة الطبية المركزة والصعبة جدا والمكلفة ذهنيا وبدنيا وماديا عليه وعلى أسرته ناهيك أنه أصلا طالب عبقري خرج بأكبر مجموع دراسي يؤهله لدراسة الطب ودرس الطب بلغة غير لغته الأصلية مع مشقة ذلك عليه . وكان حريا به أن يتم تكريمه على اجتهاده لا تضييع وقته وجهوده بل ويضيع جزء كبير من عمره قبل أن يحصل على درجته التخصصية أي أن أكثر الناس احتياجا لتطوير تعليمهم هم الأطباء وهو أمر لن أقرره أنا شخصيا حيث أنه ليس مجالي ولا تخصصي ولكن يقرره طبيب مخلص أو مجموعة أطباء أو كل الأطباء يقترحون نظاما تعليميا بديلا يختصر على الطبيب الجديد مشوار التعليم ويبدأ من فترة مبكرة الثانوية العامة مثلا لتكون ثانوية تخصصية أكثر تؤهل الأطباء والممرضين والمهندسين الطبيين وأطباء الأسنان والكيمياء الطبية والأحياء الطبية والزراعة الطبية ليكون الخريج مجهزا ليكون في بداية التخصص لدراسة العلوم الطبية والصيدلية والمعملية المختلفة بعد الثانوية مباشرة .
والهندسة تدرس كمنتج وإنتاج بمعنى أنك تدرس الآلات الميكيانيكية مثلا كيف تعمل وآلية عملها وكيفية إنتاجها كآلة. فما قيمة أنك درست آلية العمل الميكانيكي كقوانين فزيائية ولم تدرس كيفية إنتاج آلات بهذه القوانين .
ساعتها سيكون ميكانيكي الورشة أفضل من المهندس حتى ولو كان لا يجيد القراءة والكتابة .
والنجار الذي يستعمل ماكينات الإنتاج القائم على الطباعة الهندسية في الأخشاب والنحت الهندسي الحديثة سيكون أفضل من المهندس الذي درس آلية دوران هذه الماكينات .
المطلوب هو ربط العلم بالإنتاج ابتداء وليس انتهاء أو عدم ربطه بالإنتاج كما هو الحال اليوم .
العامل الذي لا يجيد القراءة والكتابة يجيد صناعة الآلات وصيانتها بدون الحاجة ليعلم الفيزياء التي تدور على أساسها هذه الماكينات .
وأرى أن نعلم الشباب المهن مباشرة ومن ثبتت له الكفاءة العقلية من ذكاء وإرادة المواصلة يدرس الفكرة العلمية لهذه المهنة أيا كانت .
أي أننا نبدأ العلم غدا من حيث كنا ننتهي إليه بالأمس .
فلا معنى أن أخرج مهندسا أو كيميائيا أو غيرها ويتعلم ما سوف يعمل به بعد تخرجه , الأولى أن أعلمه ما سيعمل فيه وكل ما زاد مستوى ذكائه وإرادته في مواصلة التعليم ندرس له الفكرة العلمية لمهنته باستفاضة ليصل إلى مستوى التطوير بعد ذلك .
وأن لا نربط التعليم بأي شيء خارج نطاقه فأكثر من سبعين في المائة ممن درسوا التعليم الفني درسوه لا رغبة فيه ولكن لأنهم سيخفضون سنوات في مكان آخر هو واجب على الجميع ولابد منه والأولى أن لا يكون هناك ربط وتكون فترة ثابتة على الجميع بدون تمييز تعليمي ساعتها ستوفر الدولة مليارات ضخمة جدا من كل الاتجاهات من لا يريد إكمال تعليمه واكتفى بالقراءة والكتابة والحساب فمرحبا بذلك ويخرج إلى العمل والحياة ويفيد المجتمع من مكانه والواجب الذي عليه لبلاده واجب لابد منه للجميع وبدون تمييز تعليمي .
وستتوفر على الدولة أموالها في التعليم الذي لا قيمة بالنسبة للمتعلمين فيه بل يتحول إلى عبء على الدولة وعلى الأسرة.
ستتوفر مليارات على الآباء الذين لا يريد أبناؤهم مواصلة التعليم ويخرجوا لسوق العمل فيكسبوا أموالا ويوفروا أعمارا .
وتتوفر مليارات على الدولة تنفقها في تعليم لا فائدة منه للطلبة فيه .
والأفضل منه أن يتم ربط التعليم الصناعي بورش حكومية مدتها قصيرة بأن يحدد مدة سنة ويكون الطالب بعدها قادر على الإنتاج المنتج الصناعي للمهنة ولمن أراد وليس تعليما إجباريا .
كل المهن تقريبا يمكن أن تكون كذلك .
هذا بالنسبة للتعليم ما بعد الأولي .

تعليقات

المشاركات الشائعة