القصيدة الخالدة ـ مختارات من ديوان فوزي العنتيل

بهذه الكلمة والصورة الجميلة

على الطريق الساحر 

طريق قرية الشاعر مع خيالاتي وتصوراتي النابعة من صورة طريق قريتي أيضا حيث يضم النيل قريتي بذراع عملاقة لتصبح شبه جزيرة يحيطها النيل تقريبا من جميع الجهات إلا شريط ضيق يربطها بالطريق .
وصورة كل قرية جميلة مررت بها أو سكنتها يوما .
بهذا البيت


يا واحة العمر الجديبِ على الطريق الساحرِ

بهذه الأبيات :


هي ذكريات لم تزل محفورة في خاطري
ملأت كؤوس طفولتي بهوى الربيع الباكرِ
هي ذكرياتٌ لم تزل تسقى خريف الشاعرِ
يا واحة العمر الجديبِ على الطريق الساحرِ
أنا عائد يوما إليكِ مع الربيع الزاخرِ
في بسمة الشمس الوضيئة في النسيم العابرِ
في موكب الزرزور يحملني جناحا طائرِ
في لهفة خفقت بها روح المحبِّ الذاكرِ

ظللت أسيرا لشعر الشاعر المتفرد فوزي العنتيل وظل شعره عندي مقدرا ومقدما وظلت هذه القصيدة التي منها الأبيات من أحب القصائد في قلبي ولعل الكثيرين درسوها فقد كانت مقررة على سنوات الدراسة الابتدائية ولعلها لا زالت .
وبعد قرأت ديوان الأستاذ الشاعر فوزي العنتيل مرات كثيرة في طبعته الأولى واشتريت أعماله الشعرية الكاملة من هيئة الكتاب منذ عشرين عاما أو يزيد وظللت محتفظا بالديوان بعد بيعي لمكتبتي ربما يكون الكتاب الوحيد الذي احتفظت به ,
كل عدة أعوام أعيد القراءة فيه مرة أو مرات بعد قراءتي أعماله الكاملة لم يبق في القلب منها سوى ديوانه عبير الأرض .
وفي الفترة الحالية أعدت قراءة الديوان ومن الديوان بقيت بعض القصائد عالقة بالقلب والتفت لأول مرة أنني أكتب فوزي العنتيل في شعري دون أن أدري وأثبت أنه نسيج رئيسي في تكويني الشعري واصطلاحاته الشعرية معي في الكثير من الوقت فشكر الله لفوزي العنتيل ما ربانا عليه من شعر يصنع الجمال والبهجة .
وأنا اليوم عرفانا بجميله أكتب مجموعة القصائد التي أعجبتني في أعماله الشعرية الكاملة المطبوعة في الهيئة العامة للكتاب أكتبها لأني بحثت طويلا فلم أجد له قصائد يقرأها الناس لعل أحدا يتأثر به ويكتب شعرا جميلا كفوزي العنتيل وجدت أن للدكتور الجيار مؤلفا يحمل عنوان مختارات من شعر فوزي العنتيل في هذا الرابط لمن أراد الاستزادة من شعر فوزي العنتيل .


على goodreads

أنقل هذه القصائد حتى أوصل إلى محبي الشعر والباحثين عن نماذج شعرية رائدة كفوزي العنتيل ليجدوا شعرا جميلا وقصائد نموذجية لفن شعري وطراز شعري آخذ في الانقراض والباحثين عن براءة ريف مصر في الأربعينات والخمسينات وحتى الثمانينات والتي تكاد تكون انقرضت تماما وزالت صورتها من الوجود .
إلا بقايا من قرى بعيدة وجدت بعضا منها حين عملت كمندوب مبيعات منثورة على خريطة مصر لا يزال بها بقية من صورة الريف القديم ببراءته الموجودة في قصائد فوزي العنتيل .
وبين يدي ما سأكتبه من قصائد الشاعر العظيم فوزي العنتيل أردت أن أسوق رأيا في شعر فوزي العنتيل وهو أن فوزي العنتيل ومجايليه كانوا نسيجا هاما ربما يلتفت إليه الباحثون فشعراء هذه الفترة ربما يكونون بشعرهم من أجود وأجمل ما أنتجت مصر من شعر في كل عصورها.
ثانيا لاحظت أن عدم الاهتمام بشعر شعراء هذه الفترة أدى إلى ضمور قصائدهم أو انتهائهم عن الكتابة بانصراف الشعراء إلى ما يغنيهم أو انصراف الشعراء من الحياة مطلقا شعراء فترة ما قبل ثورة يوليو 52 وما بعدها بقليل نسيج متميز ومختلف يشبهون شاعر الفترة العظيم محمود حسن إسماعيل في إبداعه العظيم ولكنهم بكل أسف لم يكملوا المسيرة .
وأخلص إلى أن الشاعر العظيم فوزي العنتيل لم ينتج حسب ما أرى إلا ديوانه عبير الأرض وانتهت قريحته الشعرية عند هذه الفترة منتصف الخمسينات ولم يكمل مسيرته الشعرية لأسباب يعلمها الله .
وقد ساق الشاعر أسبابا في مقدمة ديوانه رحلة في أعماق الكلمات عن توقف إنتاجه للشعر ولا أدري هل تصلح أسبابه هذه لتحول إنتاجه الشعري من هذا التوهج العظيم الظاهر في ديوانه عبير الأرض إلى هذا الخفوت والاضمحلال الشعري حسب رأيي في ديوانه رحلة أعماق الكلمات.
على أن بعض الشعراء في التاريخ اشتهر بأبيات لم يقل سواها وكانت أفضل من دواوين شعرية مليئة بمئات القصائد .
وكفى بفوزي العنتيل شعرا عظيما يبقى مدى الزمن قصائده في ديوانه عبير الأرض قصائد طازجة على الدوام مفرطة البهجة رائعة الجمال جمالا يزيد مع الأيام وبقية صور من براءة ريفية قد تنقرص صورتها نهائيا مع الأيام ولا يبقى لنا دليل عليها سوى قصائد فوزي العنتيل ومن قبله محمد عبد المعطي الهمشري ومحمود حسن إسماعيل .
على كل حال أنا من المغرمين بعبير الأرض لفوزي العنتيل .
والآن مع قصائدي المختارة من ديوان عبير الأرض وهي بالنسبة لي خلاصة الديوان وأفضل ما فيه ومن أجمل ما قرأت من الشعر.
كتبتها بنفسي من الديوان مباشرة وليس نقلا عن أي موقع على الإنترنت .
ولمحة أخيرة أشيع في بعض المواقع الأدبية وعند بعض المثقفين المهتمين أن للشاعر ديوانا مخطوطا بعنوان - الجنة الضائعة - 
وقد نشرت في هذه المختارات قصيدة الجنة الضائعة وهي ضمن ديوانه عبير الأرض فعسى أن يكون ديوانه المخطوط هذا صحيحا وعسى أن يخرج للنور قريبا إن شاء الله ونجد فيه بعض روائع إبداعات الشاعر العظيم محمد فوزي فهمي العنتيل .
وإلى القصائد وهي مكتوبة كلها تقريبا حتى عام 1955 وما قبله . من ديوان عبير الأرض للشاعر الكبير فوزي العنتيل
--------------------------------


**********
قصيدة : الربيع في القرية
***************
----- مجزوء الكامل -------
-------------------
حدقت في الشفق الملون في شفاه الأودية
بين انتفاضات الحقول على حنين الساقية
فأظلني حلم الطبيعة في المروج الساجية
سكب الربيع نداءه المشتاق في أحنائيه
فحملت أفراح الطفولة في ذراعي العارية
مترنما متوثبا أعدو وراء الرابية
كالنحلة الحمراء تلثغها خمور الدالية
فتظل تهذي أو تثرثر للزهور الحانية
زنارها لهبٌ وعيناها ورودٌ قانية
يا خمرة الطفل الصغير خطا الربيع أمامية
في زهره عرسي وفي أحلامه أنغاميه
أنا لست أنسى قريتي وهوى الربيع يزورها
ينساب في أعماقها فجرا سقاه سرورها
فتموج فيه حقولها ونخيلها وطيورها
وعلى صياح دجاجها الوثاب تصحو دورها
تستقبل الفجر الجميل وقد أطل ينيرها
وترى الينابيع الشهية حين رق هديرها
فتدفقت عبر الجداول واستطال مسيرها
وانداح في نغم السواقي الضاحكات خريرها
ظمآن يحتض الحقول فتستفيق زهورها
ويضيع في ألق النهار حنينها وعبيرها
وهناك أجنحة النسائم والحنان يثيرها
تطفو على الينبوع كيما تستحم عطورها
وهناك أفراح الحقول الطافيات على الغروب
والسنبل الذهبي كالأمواج مضفورالجيوب
متراقص مترنح كمشاعر المرح الطروب
والعائدون من الحقول مع انتفاضات المغيب
وأمامهم أبقارهم في خطوها التعب الرتيب
وخورها ملء الفضاء يعج في الأفق الرحيب
وهناك يأتي الليل عريانا كأحلام الغريب
فترف أنفاس المصابيح الهزيلة في الدروب
خفقت فأثقلها النعاس ومس أعينها اللغوب
فمتزقت شهقاتها في أذرع الليل الرهيب
أنا لست أنسى قريتي السمراء في عيد الحصاد
والسنبل المتجعد الذهبي يحلم بالرقاد
وخطى الحيارى الحائرين تروح تضرب في اتئاد
ورؤى المساء تلفهم
والصمت يبتلع الوهاد
والظلمة العمياء تزحف في توابيت السواد
فتطوف أشباح مؤرقة معذبة السهاد
أنا قد عشقت الليل والأحلام في الريف الحنون
فهناك فوق الرابيات يتم ميلاد السكون
وهناك ليل المتعبين الكادحين المجهدين
الجائعين الظامئين القانعين الهانئين
لكنني في ليلة سوداء متعبة الجفون
كنا على تل البيادر كالسنابل نائمين
أنا والظلام وزمرة المستسلمين القانعين
وبقية لهاثة من رهبة الكون السجين
وسمعت همهمة وأصداءً ممزقة الأنين
ورأيت أشباحا مفزعة محملقة العيون
فصرخت يا عمي
فخفَّ إليَّ مذعور الحنين
ونسيت هذي الذكريات فما تمر اليوم بي
إلا رفيف خواطر تأسو جراح معذبِ
صورٌ من الحبِّ البريء مياهها لم تنضبِ
هي ذكريات صبية مرت بعمري المجدبِ
زرعت بأضلاعي الحنين إلى الربيع المعشبِ
وعبدت في نظراتها خجل الصبي المذنبِ
كنا نهيم معا على ناي الحقول المطربِ
نعدو ونقفز فوق أمواج الضحى المتلهبِ
أو نرتمي في الجدول المتدفق المتوثبِ
وأشدها من شعرها متضاحكا فتصيح بي
غضبى مفزعة وتصنع لي شعور المغضبِ
****
هي ذكريات لم تزل محفورة في خاطري
ملأت كؤوس طفولتي بهوى الربيع الباكرِ
هي ذكرياتٌ لم تزل تسقى خريف الشاعرِ
يا واحة العمر الجديبِ على الطريق الساحرِ
أنا عائد يوما إليكِ مع الربيع الزاخرِ
في بسمة الشمس الوضيئة في النسيم العابرِ
في موكب الزرزور يحملني جناحا طائرِ
في لهفة خفقت بها روح المحبِّ الذاكرِ
يونية 1953 م


================
قصيدة : عبير الأرض
===== بحر المجتث =====
هذه المعلقة الخالدة من معلقات الشعر الحديث ومن أجمل ما قرأت وأظنها أطول قصيدة كتبت على بحر المجتث حسب ما قرأت القصيدة تتكلم عن مصر وجمالها وشعبها قصيدة محب لمصر أبدع في حبها أجمل شعر 

من ألف عام توارت
وراء ليل الحياةِ
تدفق الفجر فيها
وذاب في الكائناتِ
والنهرُ جرَّ خطاهُ
وانداح في الظلماتِ
فاتحد الماء والنورُ
في عروق النباتِ
من ألف عام بعيدٍ
غنت به ساقياتي
عانقت أرضي جنيناً
مقيد الخطواتِ
وكان جدي فيها
قد عاش قبلي حياتي
أجنني في ضمير الحقول
مثل لداتي
مثل السنابل مثل البذور
مثل النواةِ
وكالغصون اللواتي
تهتز بالثمراتِ
نفضت عني قيودي
فانهار سجن سباتي
وعشت في كل أمسٍ
مضى وفي كل آتِ
مدت إلى الأفق روحي
ظلالها السامقاتِ
فرحت أنثر حبي
فيها وأبعث ذاتي
ودست فوق المنايا
وفوق نار الطغاةِ
أذود عنها بفأسي
مخالب الحادثاتِ
حتى إذا الفجر نادى
معانقا موجاتي
مضيت أعدو إليه
على بقايا رفاتي
*********
يجتاحني ألف شوق
إذا ذكرت ثراها
فقد بنيت الحقول الخضراء
حول قراها
ربيعها حين تأتي
الطيور تملأ فاها
من حبها وشذاها
وفجرها وسماها
وليلها
حين تغفو الحقول 
فوق رباها
وأنجم الفجر يقظى
تنير حولي المياها
فيستفيق حنيني
ليرتوي من ضياها
ومن غصوني اللواتي 
تجردت في شتاها
قفت كوخي 
حتى يطفو عليه دجاها
لقد نقشت بقلبي 
أفراحها وأساها
غرست فيها زهوري
فأرضعتني شذاها
وصنت فيها كنوزي 
فباركتها يداها
أبي عناك وعمي
ماتا شهيدي هواها
ناما على كتفيها
واستغرقا في رؤاها
******
هناك أختي وكانت
نوارة في الربيعِ
في وجنتيها رؤاه
وفي صباها الوديعِ
كانت غمامة ورد
رفَّتْ على الينبوعِ
وفي مساءٍ رهيف الدجى
خفوقِ الشموعِ
عدت عليها رياح الخريفِ
عند الهزيعِ
فأطرقت في حنينِ الصباحِ
بين ضلوعي
هناك نهر حياتي
وجنتي وربيعي
حتى البذور العرايا
غطيتها بدموعي
******
فهذه الأرض أرضي
بأفقها المترامي
حقولها من أديمي
وفأسها من عظامي
ونيلها حين يجري
أشواقه من غمامي
فكل قطرة نورٍ
وشحتها بابتسامي
******
فلألأت في ضلوعي
وغردت في الحنايا
مزجت أشواق عمري
بأغنيات الصبايا
في الحقل والظل عرشٌ
مُمهَّدٌ وحشايا
من التراب بنتها
عند الضحى كفايا
والنخل قصرٌ سموقٌ
مسقفٌ بالمرايا
هناك وسدت رأسي
صدرا أحب هوايا
حينا سعدت وحينا
شقيت مثل البرايا
لكن روحِيَ ظلت
فجرا يضيء دجايا
*******
فجرا عبرت عليهِ الحياةَ
أطوي السنينا
في مهرجان الضحايا
أشدو لشعبي اللحونا
وكان شعبي سجينا
وكان شعبي طعينا
أيامه حصدتها
مناجل الحاصدينا
فكم إلهٌ صغيرٌ
همنا به صاغرينا
شدنا له في قرانا
معابدا وسجونا
ومن دماء الضحايا
وأدمع الباكينا
اخضرضرت في ربانا
أفراحُه وشقينا
قد كان شعبي غريبا
كأمسه محزونا
يا طالما عذبته
شبابة* الكادحين
تبكي , فيبكي أساها
على الحقول أنينا
تقص في كل ليل
حكاية الظالمينا
ما زال مجد عرابي
وذلة الخائنينا
تخضرُّ في شاطئيه
وردا وشوكا لعينا
والليل عريان يطفو
على النخيل حزينا
ما زلت أشدو ولحني
يهز حولي القرونا
لقد بذرت غنائي في الكائنات حنينا
فأزهرت كلماتي
فوق الربا ياسمينا
وشققت صرخاتي
حناجر الثائرينا
فإن شعبي 
ما عاد ضائعا مستكينا
لقد أحب ضياء الحياة
يهدي العيونا
أحب فوق رباه
هذا التراب الثمينا
فأشرقي فوق أرضي
يا جنة الخالدينا
جداولا تتغنَّى
بها السواقي فتونا
ويرتوي الحقل منها
سنابلا وغصونا
ويا كرومي مدي
الظلال للمتعبينا
وأطمعي الجائعينا
وقبلي الظامئينا
وأينعي ملء قلبي
يا جنة العاشقينا
*****
فإن قلبي حقل
مضمخ بعبيرك
أحلامه من شعورالغصون
فوق سريرك
وكل دفقة شوقٍ
على دمي من غديرك
شذى حياتي وحبي الكبير
عطر زهورك
يا أرض يا أم إني
ظامٍ إلى فيض نورك
فأنت أفراح عمر
عمقته في جذورك
إني خلطت دمائي 
وثورتي بعبيرك
فأنبتي في ضلوعي
نورالضحى من بذورك
لأشرب الفجر خمرا
عتقتها في ضميرك
إني أحبك 
إني أحب فيك وجودي
ياأرض يا أمُّ
هبت على صباي البعيدِ
نسائم الفجر تندى
على خطاي الشريدِ
إني هنا يا حقولي
يا جنتي يا خلودي
مازلت كالأمس طفلا
يحب كل الوجودِ
ما زلت أنفخ ناي الضحى
لشعبي الشهيدِ
حتى يفيق ويمضى 
مدمدما كالرعود
أنا هنا فاتبعيني
فقد كسرت قيودي
لا تظلميني فإني
لم أنسَ فيك عهودي
بل عانقيني وسيري معي
وغني نشيدي
لنبذر الأرض نورا
مع الصباح الجديدِ
نوفمبر 1955 م


***********
----------

قصيدة : حاملة الجرة
******
في هذه القصيدة يصف امرأة تحمل جرة ماء لتملأها من النهر القريب ويصف جمال هذه المرأة بأوصاف فتانة جدا بل ويصف جرتها بأوصاف لم أر مثيلا لها عند شاعر ويصور الجرة وهي تتساقط المياه منها كأنها تبكي متعاطفة مع العاشقين المعجبين بالجميلة حاملة الجرة

بحر المتقارب
*********


وكالنور حين سرى بغتةً
على الشاطئ الأخضر المزدهر
تهادت على ضفة حفها
طري النبات
وغصن الشجر
ومن حولها الفاتنات الملاح
على شفة النبع , زهرٌ عَطِر
تظللها كرمة أوقرت
عناقيدها بشهي الثمر
كأني بها نسمة 
رفرفت على صفحة الماء 
وقت السحر
تدور كأغرودة في الحقول
تأبَّى الحنينُ بها فاستتر
ينام على خطوها المستهام 
رفيف الشذى وضياء القمر
مرنحة والدلال الشهي 
يكاد على خصرها ينكسر
تسير على خفقات القلوب 
قلوب معذبة تستعر
تعانقها لهفة العاشقين
وتلثمها في اشتباك البصر
فتلمحها في حنان العيون
وشوق الجفونِ
ونجوى الفكر
وتبصرها في جموح الخيال 
رؤى شاعر
عبقري الصور
****
وفي صدرها فتنة عربدت
كما عصفت موجة تنحسر
ويهتز مرتعشا .........
يدمدم في نشوة المنتصر
وينفر محتدما صارخا 
من الظمأ الخالد المستعر
فتحسبه من لهيب الشباب وشوق الصبا
موشكا أن يفر
وفي وجهها جنة الملهمين وعرس الجمال
وحلم البشر
وفي شفتيها لهيب الغروب 
تألق بين إطار الزهر 
وأهدابها 
أسبلت في فتور
وأجفانها أطرقت في خفر
ومرت 
وساعِدُها يحتمي 
بجرتها من حريق النظر
وعشاقها فوق صمت الطريق
عبيد الهوى وأسارى القدر
وتمضي وقد سحبت خلفها قلوبا
على خطوها تنتحر
وجرتها وقفت في دلالٍ 
تحدق مسحورة بالشجر
وترنو إلى موكب المغرمين 
وقد سكروا بالأريج العطر
ورقت لهم في صباباتهم 
وكادت من الوجد أن تنكسر
تهم
وقد هزها شوقهم
ويمنعها الحسن
أن تعتذر
فتنفض أدمعها في الطريق
وتغرق في صمتها المستمر
-----------

**********
قصيدة : ليلة في القرية
*********
من بحر الكامل ـ 
----------

ومضيت أعصر من سنيني قطرة 
بيضاء في أفق الحياة الغائمِ
في الريفِ بين الكادحينَ يسوقهم قدرٌ
وراء الكون فوق العالمِ
وخطى تمر على بقايا قصة من دمع محرومٍ وقسوة حارمِ
وعلى جدار الكوخِ 
ترقد ظلمة ممسوخةٌ 
كطلائه المتشائمِ
وجلست بين المتعبين ورفرفت روح المساءِ على الجدار القاتمِ
في ليلة ظمأى 
تحن نجومها للفجر
للشفق الغريق الغائمِ
وتوافدوا يتسامرون 
وأقبل الأطفال في مرحٍ هنيءٍ باسمِ
ويثرثرون ويفتحون عيونهم في ضوء مصباح هزيل نائمِ
والليل عند الكادحين خرافة وبقية من ذكريات ملاحمِ
وخيال كذابين يغمرهم رضى
ومنى مزيفة كدمع الظالمِ
هي ذكريات حلوةٌ
موهومةٌ
ورؤى من الحقل السعيد الحالمِ
عبروا على أطيافها
في نشوة يتسمعون خطى الصباح الناعمِ
وسمعت قصة ألف عام , لم تزل تطوى وتنشر في الشتاء القادمِ
عن ليل هارون الرشيد وقصره المصبوغ بالعطر النديِّ الهائمِ
وعن المصابيح الملونة العيونِ ترشُّ بالأحلامِ بيت الحاكمِ
***
ومدينة تحت الثرى مطمورة ذهبية الحيطان والأبهاءِ
وغدا سنأخذها لنملأ بيتنا قمحا نكدسه بغير عناءِ
وسأرتدي ثوبا جديدا ناصعا ,
واهتز شاربه من الخيلاءِ
****
والنخل يخفق في حنان ناشرا أغصانه
في القبة الزرقاءِ
وخوار أبقارٍ في السما
يشكو إليها قصة الضعفاءِ
****
وتدف أجنحة الطيور 
وترتمي في عشها
فوق الذرا الخضراءِ
وهفا غراب تائهٌ
متنقلٌ
يطوي عقود النخلة السمراءِ
وانشق قلب الصمتِ حين تساقطت بعض الثمار الغضة الخضراءِ
وجرى الصغار ,
وراء طفل عابثٍ
خطف الثمار وغاب في الظلماءِ
والليل يصغي 
لا يمل حديثهم وتموج ظلمته مع الأصداءِ
وامتد صوت واهن متكسرٌ
هو صوتُ هذه الجدة العمياءِ
حسبت مدينتهم ـ حقيقة واجد ـ 
لا منيةً خلابةَ الأضواءِ
لا تذهبوا ,,,
وتجعدت أحزانها وتكومت في ذلة وشقاءِ
وأتى من الماضي السحقيق حديثها معشوشباً
كالغابة السوداءِ
وأطلت الذكرى وارء خيالها
وتجسدت أقصوصة البؤساءِ
والآدمية في القيود سجينة مظلومةٌ
تحيا بغير رجاءِ
وسياطُ فرعونٍ تسوق أمامها زمر العبيدِ
وأمة التعساءِ
لا تذهبوا .....
وبكت ولن صوتها الإشفاقُ فانهارت من الإعياءِ
****
وانفض سامر ليلة شرقية في الريفِ
بين مواكب البسطاءِ
ومضيت أعصر من سنيني قطرةً بيضاءَ في الأفق البعيد النائي
وأسواق أيامي قطيعا شارداً
يعدو وراء قوافل الغرباءِ
----------

******
قصيدة :أغنية للربيع
******
بحرالخفيف
----------
إن شيئا يهتز خلف دموعي
إن شيئا ينهار بين ضلوعي
أتراه الهوى وأفديك منه
يا حبيبي بقلبيَ المصدوعِ
قد أطلَّ الربيع مكتحل الجفنِ
كطفلٍ نعسانَ بين الشموعِ
ومشى الحبُّ في حنين المزامير 
نبيا مجللا بالخشوعِ
ودعاني الهوى 
فألوت شراعي نسمة الفجرِ 
كالصبي الوديعِ
فتوشحت بالحنين 
وشبت زهراتي
مخضلة بدموعي
يا ربيعي الجميل
طال انتظاري 
فارو بالحب جنتي
يا ربيعي
فالخريف المحموم 
شابت لياليه
وسال الشذى على الينبوعِ

---------------------- 

******
قصيدة : في الليل
*******
بحر الهزج
------------
أحقا أننا كنا غريبين
كقلبينا
أحقاً أننا كنا
ولكنا تلاقينا
دعانا عازف القيثار في الليلِ فغنينا
وضج الشوق في دمنا ينادينا فلبينا
ملأنا الكأس للعشاق من أفراح قلبينا
ففي أعماقنا نورٌ
بذرناه بكفينا
أحقا أننا عشنا لنشهد فجر روحينا
ونملأ من جداوله على الربوة كأسينا
أجل عشنا
ولن ننسى رؤاه ملء عينينا
لقد كنا حبيبين 
فعشنا كيفما شئنا
زرعنا الليل أحلاما تغطينا
إذا نمنا 
وفوق غصونها الخضراء في الصمت تعانقنا 
نلملم فيه ما نثرت أعاصير الهوى منا
بعثنا الليل أشواقا مقدسة
وأغفينا وما زلنا
وطيف الحب يقظان الرؤى مضنى
فلما رفرف الفجر على أحداقنا طرنا
بأجنحة ملونة
يضم حنانها الكونا
رفعنا ستر الغيم وبالآفاق طوفنا
وللأنهار والوديان والأشجار غردنا
لكل مفاتن الدنيا
لما يبقى وما يفنى
فإن غنى المساء لنا نشيد الملتقى عدنا
كعصفورين للعش الذي ضمهما حنا
حبيبين وراء الليل شد الحب قلبينا
أحقا أن هذا الحب طفل هز روحينا
يثرثر في جوانحنا
ويخفق بين جنبينا
نقبل في غدائره
صبًا فرَّ 
ولكنا
تمنينا فعاد لنا
فقلنا لم يغب عنا
أحقا أن هذا الحب طفل زار عمرينا
عشقناه فقد أعطت يداه ما تمنينا
أحقا أننا عشنا
لنشهد فجر روحينا
أجل عشنا ولن ننسى رؤاه مل عينينا
لقد كنا حبيبين فعشنا كيفما شئنا


---------------------- 

******
قصيدة : حكاية قلب
*******
بحر المتقارب
------------

غدا تذهبين 
ومات الصدى فقلت لنفسي غدا نفترق
وجف ربيعي
حتى الربيع غدا لا أرى سحره المنعتق
وأزهاره الضاحكات العيون
يغمر روحي شذاها العبق
لسوف تعانق نار الخريف
وتذوي على فمه المحترق
وترقص كالطير مذبوحة بقلب الجريح بروحي القلق
وأحسست أن شتاء الحياة تمدد في قلبيَ المختنق
غدا لا أراك 
لأن شراعي سيبحر خلف ضباق الأفق
وأمضي غدا مثل نسرٍ شريدٍ
يشد جناحيه فوق الغسق
ليخفي أساه العميق المرير 
عن سخريات الزمان النزق
ويجمع أشلاءه المتعبات 
مخضبة من جراح الشفق
ليدفن في عاصفات الرياح
ما سال من دمه المنبثق
سأروي حكايته للنجوم
لعل فؤاد السماء يرق
حكاية قلب أحب الحياة
وأوغل في فجرها فانعتق
فكانت جنايته أنه تغنى بها
أنه قد عشق
وقد كان يجدي العزاء الكبير
ولكنه كبد تحترق .



---------------------- 

******
قصيدة : الهوى التائه
*******
مجزوء الرمل
------------
لست أنسى فجرك الضاحكَ يا نور صباحي
يا ضياءً زرع الأحلام في أفق مراحي
وسقى روحي وروَّى بالأغاريد جراحي
ذوَّب الفرحة في كأسى وغنى بصداحي
يا جنانا رفرف الحب على خضر رباها
ضوأ الفجر على أغصانها ثمَّ احتواها
وتراءى في حواشيها غيوما ومياها
وربيعا مشرق الوجنة من خمر رؤاها
كيف ينسى الجدول الظامئ أنداء الغمام
وهي في شطيه أحلامٌ وأطياف ابتسام
وزهور رفَّ فيها العطر مشبوب الضرام
وهي طير في جفون الدوحِ مشدوه البغام
*****
كيف أنسى سحر عينيك وأشواق دموعك
ومساء خافقا .. يسبح في ضوء شموعك
وحنانا , هائما يشرب من صمت ضلوعك
وهوى يسقى أزاهيري بأحلام ربيعك
كنت لي وحيا وأنغاما وحبا وحنانا
روضة نضرها الله فغنت بهوانا
ورؤى نسقها الحب مروجا وجنانا
عانقت عمري وغنت بأغاريد زمانا
يا رؤى فجري , الذي نور آفاق غمامي
كيف ينسى العاشق اللهفان أشواق الغرام
وهي في جنبيه صبح شارد الأضواء ظامي
جنة أغفت على دربي بأمواج شذاها
وأغاريد سكارى ذاب في جنبي لظاها
أظمأت قلبي إلى الحب فردته شفاها
وأذاقته هواها
فتغنى بهواها .
لست أنسى لهب الأشواق في قلبي الذبيح
وحريق الحب ينهار على نار جروحي
فأغني
والهوى التائه يجتاح سفوحي
يا صباحاً فرَّ من دنياي
في غربة روحي
لست أنسى عطرك الهائم في صبح شذاها
يا ربيعا فر والروضة في عرس صباها
فأنا منها نشيد
رنحته شفتاها
وأنا قلب نبيٍ عرف الحب فتاها
*****
أيها الفجر الذي أشرق في وهمي وحيا
جف كوبي 
وهو روح ضارع في شفتيا
لم يعد غير بقايا ذكريات
في يديا
آه يا عمري
مضى عهد الهوى من ناظريا
****
بالذي أحرق قلبينا باشواق الليالي
بالذي أسكر روحينا بأسرار الجمال
أيها الفجر الذي مات على أفق خيالي
أنا أدعوك
فهل تسمع في الليل ابتهالي.


---------------------- 

******
قصيدة : صلاة المساء
*******
بحر الطويل
------------

وقفت بباب الليل 
في ظل دوحة 
على شاطئٍ جهمِ الظلال رهيبِ
ترش عليها السحب فيض دموعها
فأسمعها في الصمت رجع نحيب
وتهتز في لحن المياه , غصونها
فترسم في عيني , ظلال غروبِ
وقفت وأيامي شراع سفينة بدا شطها الموعود غير قريب
يفزعني الإعصار يهدر غامضاً
فإن سرت فالليل الغني مريبي
ونادتك أشواقي وأنت على المدى بآفاق أحلامي وراء غيوبي
وكم طالعت روحي خيالك عابرا 
مساء حنيني أو صباح شحوبي
وفي وحدتي الخرساءِ
صليت خاشعا لطيفك يحبو 
فوق صمت دروبي
فمن أنت 
قل لي 
كيف ألقاك إن دنا خيالك 
مشبوبا وراء لهيبي
أمامي انتظاري والظلام وغربتي 
ولهفة أيامي ورعشة كوبي
وخلفيَ غابات تفحُّ صلالها
ورائيَ ليلي والأسى ونحيبي
أنا التائه المذعور 
في جوف قفرةٍ 
يموت ويحيا فوق كل كثيب
أنا البلبل المصفود 
بين ضلوعه ضراعة مظلوم 
وحزن غريب
تثور بأوراقي رياحٌ عتيةٌ
وتنثرني في جيئة وذهوبِ
فأخفق ظمآن الغصون مصوحا
لتسقى بأنداء الربيع جديبي
وكالزهرة البيضاء في عرس عطرها 
توشحت أحلامي وفجر طيوبي
فإن حدَّقتْ عيناك فيَّ تنهدت
جراحي 
وباحت بالغرام ندوبي
وأوقدتُ مصباح الربيع 
فإن سرى حنينك في غصني فَتقْتُ جيوبي
ورقْرَقْتُ روحي للنسيم فهل ترى إذا شب عطري أن تحس لهيبي
نصيبي من الدنيا أَمَانٍ سقيتها
بدمع أغاريدي , بشوق لغوبي
وضيعتها في يقظة العمر والهوى 
يعربد في روحي ويترع كوبي
ولم يبق لي منها سواك 
فهل ترى
يكون نصيبي أن تكون نصيبي


---------------------- 

******
قصيدة : أصداء من تونس
في رثاء أبي القاسم الشابي
*******
بحر الخفيف
------------

في رؤى شاطئ غريق الخيالات 
بأحلام تونس المسحورة
بين همس الزهور في مشهد الغاب
ولغو الجداول المخمورة
وأغاني الطيور في موكب الفجر 
تنداح في الروابي الشجيرة
ووميض النجوم يخبو وئيدا
في البحيرات في السماء الكبيرة
هز قلب الوجود خفق جناح 
ذهبي الضياء 
ينفض نوره
طار في حلمها الجميل شراعا
وتراءى في ليلها أسطورة
فأضاءت به السفوح 
وغنت بأناشيده الرياض المنيرة
طائر فرَّ من نعيمِ الفراديس 
فأشجى أغصانه وطيوره
وبكاه الغمام فارتعش الزهر 
ولف الأسى العميق عطوره
هبط الأرض شاعرا ونبيا
وارتضاها مقامه ونشوره
ليعيد الصفاء للأنفس الحيرى
ويحيا مع القلوب الكسيرة
فوق مزماره تذوب الشكايات
فتندى بها الليالي الضريرة
وبأنغامه ترف الجراحات لهيبا 
على الربا المقرورة
وبأحنائه أغان وأفراح حياة 
أذاب فيها شعوره
وشذىً تائه الجناحين يسري 
في رحاب الوجود روحا أسيره
فإذا أقبل المساء 
فأنصت لأغانيه في المروج النضيرة
داميات اللحون
أحرقها الشوق 
فهامت مرنحات مثيرة
في حنايا السفوح
في الأفق الشاحب
في أدمع السحاب المطيرة
في شعاب الجبال في الثبج الأزرق
عبر الشواطئ المهجورة
بين صمت الظلال
في الشفق العائم
بين الخمائل المضفورة
سابحا كالفراش في جدول العطر
يغني مع الزهور الغريرة
وإذا حملق النهار
ودبت في عيون الرعاة خمر الظهيرة
وتمطت خرافهم
حالمات بحقول معشوشبات خضيرة
فأصخ سمعك المشوق 
وحدق في ارتعاش النسائم المبهورة
لترى طيفه المجنح نهرا 
صافيا حالما
نقي السريرة
في الحقول الخضراء 
يطفو على الزهر
في مخدع الغصون الوثيرة
وإذا دمدم اللهيب
وشبت في قلوب الأحرار نار الكفاحِ
وهوى الليل في قبور الضحايا
ومشى الفجر في جناز النواحِ
فاستمع للنشيد في مزهر الأفقِ
هتوفا مجلجلا بالصداحِ
نابضا باللهيبِ نشوان بالثأرِ
عميقا يضج في الأرواحِ
ولو أن الأقدار ردت إليه 
قيده لانثنى طليق الجناحِ
داعيا للنضال شعبا أبياً
بات طعم الردى وزاد السلاحِ
يزأر الموت جائعا في روابيه
ويعوي الفناء خلف البطاحِ
****
وطن الملهمين في مغزل النار
دروب مجنونة الأشباحِ
وضياء النهار في المغرب الدامي 
يلف الربا ذبيح الجناحِ
والنشيد المحموم يصرخ في الأفق
على معزف الردى المجتاحِ
خنق الظالم الغشوم شعاع الفجرِ
في شاطئٍ عتيِّ الرياحِ
محرقا للرجاء كل سفينٍ
راح يطفو على أسى الملاحِ
والضحايا على الرمال خطوطٌ
نثرتها فظائع السفاحِ
أيها الغاصب الظلوم تمهلْ
فالدماء الحمراء ملء الوشاحِ
قد أفاق الأحرار حدق تراهم 
يتهادون في الدم النضَّاحِ
في جنون الإعصار في لهب الرعد 
فوق الدجى وراء الصباحِ
قدر يزحم الفضاء شعوبا
ظامئات إلى اللقاء المتاحِ
يقظة رجت الدماءَ
فسالت دافقات على الروابي الفساحِ
أيها الشاعر الإلهي رَفْرِفْ بجناحيك
بالعبير الضاحي
فغدا تورق اللحون
وتسري وشوشات الربيع في الأدواحِ
وشذا تونس الجريحة
يجري في عبير لليمون والتفاحِ
وأغاني الرعاة فوق سهوب الليل 
تطوي القطيع عند الرواحِ
وتنير الفضاء شوقا فتهتز الأراجيح 
كالسنا اللماحِ
بفتى حالم الحنين تهادى
عابرا ليل تونس المستباحِ
ذهبي الأحلام رحب التمني
شاعريِّ الأحزانِ والأفراحِ
قد رأى الهول ناميا في رباها 
فسقت روحه غصون الجراحِ
ولكن هره الأسى فتمنى 
أن ترى سهدها 
عيون الصباحِ
ويعود السلام في موكب الفجرِ إليها
مضوئ الإصباحِ
ويغطي الأعشاب في رفرف النبع صباح من زهرها الفواحِ
فتدير الأنسام ساقية العطر
تغني الربا بشدو الأقاحي
1953

---------------------- 

******
قصيدة : المساكين
*******
الهزج
------------

عرايا الروحِ 
منهزمون في أعينهم ذعر
من الماضي إلى الآتي
طيورٌ ما لها وكرُ
من الماضي الذي فرت أفاعيه 
وما فروا
إلى الآتي ودرب الغد 
في أعماقهم نهر
رهيب الموجِ
كالخوفِ
كئيب الشط مغبرُّ
بوادي الموت ينتحبون
في مقبرة الأمسِ
فإن عادوا
فمن رمسٍ يعودون 
إلى رمسِ
خطى شلَّاء قيدها 
عذاب الوهم والحسِّ
وفي أيديهمو اللاشيئ
بين جوانب الكأسِ
وفي آذانهم لحنٌ
شقيٌّ غامض الجرسِ
وفي أعينهم ماذا؟
سوى الحرمان واليأسِ
رأيتهمو على سفنٍ
يحطم صدرها البحرُ
بأجنحة ممزقة على الآفاق تنتحرُ
وليل يكره الأنوارَ
ليلٌ ما له فجرُ
وأشباح على الخلجان
يصرخ حولها الشرُّ
تفزعهم إذا وقفوا
وتبلغهم إذا مرَّوا
وإعصارٌ من الأوهام
يمضغهم إذا فروا
يعيشون بأرواح تعانق ظلمة السجنِ
وأفئدة
معذبة بنار الحب والفنِّ
ينوحون مع الطيرِ
ويبكون مع الغصنِ
ويرتعشون كالأوراق في زوبعة الحزنِ
بأشواق مقدسةٍ
تضم مشاعر الكونِ
ولكن الذي وهبت يداه الخمرَ
والقدحا
ومن طرَّز للزهرِ
وشاح العطر فاتشحا
أراق الليل في دمهم 
فما برحوا وما برحا
وحرَّم كل ما ظمئوا إليه
حرَّم الفرحا
فهاموا في رؤى الأحلام
في وادي الخيالاتِ
قياثرهم مروعةٌ
شقيات الضراعاتِ
يصوغون أغانيَهم
لآلهة الصباباتِ
وعادوا 
ظمأٌ يلهث في حلق المتاهاتِ
وقد حملوا رفات الفجر
مشنوق الشعاعاتِ
وساورا في الدجى الذاهل 
في درب الردى العاتي
نهاية عمرهم وهم
تمزق في البدايات
فهم أنصاف آلهةٍ
بلا ماضٍ ولا آتِ


---------------------- 

******
قصيدة : الجنة الضائعة
*******
بحر السريع
------------

هذي الأناشيد أسى شاعرٍ
هامت على ألحانه الضارعة
مشبوبة تحرق في شدوها 
أزهار أفراحه الجائعة
كانت له في أمسه جنة مسحورةٌ
منضورة يانعة
تذيب ليل الحزن في قلبه
أضواؤها الخالد الساطعة
وإن بكى
رقرق في ظلها أحزانه الباكية الجازعة
وكم سقت أشواقها روحه
وكم روت أحلامَه الرائعة
فهذهِ الأنغام هذا الأسى
ذكرى ليالي الجنة الضائعة
كانت له في أمسه جنةٌ
تضحك في صحرائه المفزعة
ينبوعها النشوان في قلبه 
أنشودة هيمانة ممتعة
ثم مضت 
لم يبقَ منها سوى ظلالها القاسية الموجعة
ونغمة ثكلى على نايهِ
ترعشها الشكوى فتبكي معه
وزهرة عذراء في جنبه تشرب في صمتِ الدجى أدمعه
يا جنة الماضي 
رفيف الشذى عانق روحي 
فوق شط الغروب
فجئت واللحن على مزهري
مشتعل الأشواق 
دامي النحيب
أبكي حبيبا ضاع مني هواه
وغاب عن عيني سناه الحبيب
مضى وقلبي سابح في رؤاه
مغمغم النجوى شريدا غريب
يا جنتي 
أين ربيع الهوى
السحر والشوق ودمعي الرطيب
غدا يذوب الدمع في مهجتي
ويجهش الليل على دربنا
ويستحم الفجر يا جنتي
بذكريات  الحب في عشنا
ونلتقي روحين في غربة خرساء
لا تحنو على حبنا
غدا تقول الشاعرات الألى 
سمعن ألحاني على الربوةِ
يا ليته عاش ليحكي لنا
أسطورة الأشواق في الجنةِ
ونلمس الشكوى على نايهِ
مضيئة الأشواقِ
في الظلمةِ
يا ليته عاش ليحكي لنا
أسطورة الحب الشقي الغريبْ
أغنية الفجر على ثغره
ماتت 
فلم تشهد صلاة الغروب
وخفقة المصباح في قلبه 
لما تزل يرقص فيها اللهيب
ياجنة الشوقِ
دعاني الهوى
إلى رؤى أغصانك الحانية
فجئت مسحور الخطا حالما
بالعطر في أزهارك الغافية
فلم أجد إلا ظلال الأسى
ترعشها أحزانها القاسية
عارية الآلام 
في صمتها تشكو
إلى أشجارها الذاوية
يا جنة الماضي 
ألا عودة
تهفو إليها غربتي النائية
بعثر أيامي 
خريف النوى
يا جنتي 
في الظلمة العاتية
الزورق التائه بين السنا
يهتز في أصباغه الدامية
صافح شط البحر ثم انثنى
يسبح فوق اللجة الساجية
قد أسكرت ملاحه غفوةٌ
هائمة وسنانة هانية
********
الواحة الخضراء في عرسها
عبر ضفاف الشفق القانية
لاحت له
فانساب مجدافه
في رقة مفتونة حانية
يشق صدر الماء مستقبلا
شطآنه المسحورة النائية
يا زورقي التائه بين الشعاع
أطلق جناحيك وراء الغيوم
رقت علينا نسمات الوداع
دامية الظل كدمع الكروم
يازورقي التائه حان الزماع
للشاطئ المجهول فوق النجوم

---------------------- 

تعليقات

المشاركات الشائعة