مرقعة الدراويش


مرقعة الدراويش قصة رمزية ,
الأسماء فيها غير حقيقية ,

يصح أن بعض الأسماء كانت واقعا في حياتي الشخصية وانعكست في القصة أسماء وسمتا فمثلا كان شيخي الذي حفظت علي يديه أجزاء من القرآن اسمه الشيخ طه وكان شيخا عظيما وأبا عظيما وكان رجلا رحيما حنونا وقورا مهيبا في غير عنف ما رأيته ضرب أحدنا يوما والسنوات القليلة التي عايشته فيها ظل أثرها في نفسي حتى اليوم وكان شيخي طه أيضا قارئا محترفا للقرآن في المناسبات العامة غير عمله في تحفيظ القرآن , كان شيخي -رحمه الله في جناته العليا وأعلى درجاته- مبصرا وبصيرا ولم يكن كفيفا.
وكانت السيدة الكريمة والدتي هي التي ذهبت بي إلى الكُتَّاب وليس أحد آخر.
والشيخ في القصة غير الشيخ في الحقيقة فالقصة رمزية وخرقة الدروايش رمز لكل كيان مكون من خرق ورقع تزداد سماكة وتراتبية وتفاصيلا يسكنها العفن والفساد ولم اسم القصة باسم الخرقة كما يسمي الصوفية الخرقة في تراثهم وطقوسهم لكي أقرب الصورة من الذهن الذي لم يعد لديه هذا التصور عن خرقة المتصوفة كما كانت قديما ولكن ربما تكون صور الرقع في الثياب وتواليها أقرب تصورا لذهن وتصورات القراء في زماننا الحالي , فقد انتهى طقس الخرقة الصوفي منذ عهد بعيد حسبما ما أعلم ربما مع دخول العصر الحديث وأظنها انقرضت تماما الآن على ما أعرف.

وقد عشت أجواء الصوفية طوال تاريخي في الحياة في البيت وفي الشارع وفي المدرسة كان أجدادي متصوفة تصوف العوام وكان أصدقائي متصوفين تصوف الخواص المتعلمين ودرست أنا التصوف علما وثقافة حتى وصلت لمعرفة أظنها صالحة لجعلي على درجة من درجات العلم الصوفي قريبة حد المحبة من التصوف الزهدي القائم على علم الدين أساسا ومرجعا ومبدأ ومنتهى , بعيدة أقصى البعد عن التصوف الفلسفي التوهمي الشطحي (ذي الشطحات) وعن تصوف العوام المتشبع بالعلل والخرافات والانحرافات , على أنني عشت العمر متبعا الرسول وسنته وسنة صحابته متخففا من كل ما عدا ذلك أو تعداه وكان مقياسي في ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمته الخالدة التي أظنها فيها النجاة حيث قال صلى الله عليه وسلم : 
         ((فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وعِرْضِهِ))
على أنني لست أتبع أحدا إلا كتاب الله وسنة رسوله ولا أتبع أي فرق أو طوائف وقد لاقيت منهم جميعا أشد حرب وأتعس صحبة وقد جعلوني أكثرهم هدفا ولم أجد راحة أو سعادة أو سكينة بسبب حصار ومطاردة وتضييق هذه الفرق والجماعات والطوائف منذ كنت في الخامسة عشرة من عمري. 
--------------------
القصة رمزية إلى المدى
كامل احترامي لكل الناس بمعتقداتهم
و ما يظنونه صحيحا.
حتى و لو اختلفت مع صحة ذلك الظن و ذلك الاعتقاد.


========================
مرقعة الدراويش
========================

<<<< في المدرسة لأول يوم >>>>

أعرف محل الشيخ منذ كنت صغيرا.
حين حضرت هنا لأول مرة مع جدي الذي أحضرني ليقدمني إلى شيخي لأحفظ القرآن على يديه كنت يومها في السادسة , متخفيا خلف ثوب جدي و جائلا بعينيَّ في كل أرجاء المكان دخلت و هالتني النقوش الكثيرة والآيات المكتوبة بكل أنواع الخطوط والزخارف .
: السلام عليكم يا شيخ طه .
: وعليكم السلام يا حاج عبده .
: هذا يا سيدي كريم الدين حفيدي أتيت به ليتبارك بحفظ القرآن و علومه على يديك الكريمتين
: مرحبا بك و به .
: تقدم هنا يا كريم الدين .
تقدمت مستحييا وممسكا بيد جدي الذي دفعني رفيقا إلى الأمام تجاه الشيخ مد الشيخ يده أمامه
: امدد يدك و سلم يا كريم
مددت يدي وسلمت عليه فجذبني مترفقا تجاهه
: أتحفظ شيئا من القرآن يا كريم
: نعم أحفظ بعض السور
: سنبدأ معا من جديد يا بني , هل تعرف الطريق إلى البيت ؟
: نعم إن بيت جدي ليس بعيدا
: عظيم جدا , مرحبا بك في مدرستنا يا كريم , اتركه يا حاج عبده الآن .
: ودعني جدي و مسح رأسي و قال لي : اسمع كلام الشيخ و لا تخف و سأنتظرك في البيت لتحكي لي .
نادى الشيخ زميلا لي : يا محمد خذ أخاك كريما ليجلس في صفك .
: اقرؤوا خلفي أيها الرجال
: بصوت جميل
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)
كان صوته رائعا يلمس شيئا داخل القلب يؤنس القلب و كانت الكلمات مشكولة هي نفس ما يقرأه جدي و حفظنيه كما الشيخ يحفظني الآن ربما هي طريقة قراءة اختلاف بسيط أو كبير لا أدري تجويد في القراءة كان جدي يحاوله أسمع قريبا منه و هو يقرأ القرآن سررت كثيرا بالقراءة في هذا الجمع من الأتراب الذين كانوا يجلسون حولي كان صوتنا واحدا كان صوتنا كأنه صف واحد متراص ليس فيه اعوجاج و حين كان شيخنا يسمع صوتا ناشزا عن الأصوات كان ينادي : معا أيها الرجال معا لا تحيدوا .
كان يومي الأول في مدرسة القرآن رائعا كنت مسرورا جدا و ربما بعض الرهبة كانت لا تزال في قلبي .
كنا مجموعات مختلفة فهناك من سبقونا في المدرسة و من هم أقدم منا وهناك من أتموا الحفظ و يعيدون حتى لا يتفلت من قلوبهم و كان الشيخ يقرأ لكل مجموعة منا وردها بنفسه و بعدها يذهب من قرأ لهم إلى ركنه ليعيد القراءة و ندور في دورات حتى نعود إلى شيخنا لنسمع له ما حفظناه و ليقوم لنا القراءة و حين جاء دوري قرأت متلجلجا غير مخطئ و كان الشيخ يشجعني ويستحثني ويثني على قراءتي كان شيخا عالما بالقرآن و كان بحرا واسعا رهيفا و حنونا كأب محب لأولاده .
أتممت يومي الأول حيث قال لنا الشيخ شكرا لكم أيها الرجال سعدنا بسماع أصواتكم اليوم و نتمنى أن نسعد بها غدا .
وحين هممت بالانصراف مع زملائي نادى الشيخ أين كريم الدين ,
اقتربت من الشيخ فمد يده إلي وقال : هات يدك يا بني سلم علي .
سلمت علي الشيخ فقال : أراك غدا يا كريم الدين .
نعم يا سيدنا . أراك غدا .
كان يوما سعيدا جدا لولا مرارة صغيرة مرت به أن عرفت أن شيخنا بصير .


<< كأن الشيخ لم يكن إنسانا >>


كانت أيامي تمر سعيدة مع أترابي في كتاب سيدنا الشيخ ,
كنت كل يوم أزداد معرفة بشيء كأني كنت أعرفه ,
كأن سيدنا كان يزيل ترابا على الذاكرة ,
كأن سيدنا يضيء مصباحا على نقطة مظلمة كامنة في الذات فتشرق حين يقرأ علينا سيدنا آيات القرآن
كأن سيدنا يروي وردا ذابلا في الروح فيزهر مشرق اللون مبتهجا
كان سيدنا مشرق الذات فمن إشراقة ذاته أشرقت في النفس شمس الله
كان سيدنا يقول لي استمع إلي يا بني ,هكذا تقرأ استمع إلى الصوت يا بني إن للصوت نورا كما للصورة نور
استمع هكذا تخرج الكلمة
استمع هكذا تؤثر الكلمة في الذات
استمع هكذا تضرب الكلمة فتمحو الظلمات
استمع هكذا يجب أن يكون صوتك طالعا صاعدا مشرقا فتشرق ذات من يسمعك حين يسمع صوتك
كن عالما بأنك بصوتك تحمل كلام الله نور السموات و الأرض فاجعل صوتك مركبة نور إلى ذات من يحيطون بك
استمع إلى الله كلمة تقرؤها ,اقرأها مبصرا أو(أعمى) كما أنا
اقرأها بأعين ترى النور
اقرأها بأعين بصيرة بالنور
تخيل نور الكلمة .
و سألني فجأة !!!!
ماذا ترى حين تغلق عينيك ؟؟؟
كان صوت مولانا حين يقرأ القرآن يصل إلى مناطق إحساس لا يصلها أي كلام
إلى مناطق إشراق لا أظن أنني رأيت الشمس مشرقة مثل مناطق إشراق صوته
كانت الدنيا الباردة تزداد دفئا وحرارة حين أسمع صوته العذب بالذكر
كان سيدنا هو الإشراق ذاته
أنني حين أتذكره اليوم أعجب من سؤاله لي ماذا ترى حين تغلق عينيك ؟
أنني حين أتذكره اليوم أدرك كم علمني الشيخ و كم تعلمت من القرآن .
كان الشيخ إنسانا غير الناس كأنه رجل من الجنة جاء ليعلمني ثم عاد كأن الشيخ لم يكن إنسانا !!!!!


<<< الصعود إلى المئذنة >>>

كان الشيخ يمنعنا من الصعود إلى المئذنة و كنت مشتاقا جدا للصعود إلى المئذنة فهي أعلى بناء في قريتنا , كنت أراها في كل مكان أكون فيه , كنت أراها و أنا في الحقل مع جدي و أنا على الشاطئ في حديقة جدي , كنت أراها و أنا أطارد العصافير و أبحث عن أعشاشها , كنت أراها وأنا أقفز فوق جداول الماء و الخلجان الصغيرة , كنت أراها و أنا فوق شجرة الجميز العتيقة التي أكل منها أجدادي و حكى لي من تبقى منهم عنها , كنت أراها و أنا فوق سطح منزل جدي ,كنت أراها و أنا ألعب مع أصدقائي , كنت أراها و القمر العملاق الذي يأتي خلفها كل شهر , ظللت طويلا أحلم بها , وكان يوم !!!!
تأخر سيدنا عن القدوم و تقدمت و بعض الزملاء في الكتاب وقررنا الصعود إلى المئذنة و صعدنا الدور الأول فيها و نظرت إلى القرية في الأسفل وهالني منظر العالم حول المئذنة , و صعدت الدور الثاني ونظرت وهالني المنظر أكثر ما أجمل العالم و أنت تنظر إليه من أعلى , ما أجمل الفراغ العملاق الذي يحتوي الدنيا الجميلة ألوانها الزرقا و الخضراء و البيضاء ما أجمل العصافير و الصقور التي كانت تطير من حولنا .
كان عتاب شيخنا كبيرا و حذرنا من أن نخالفه ,
سألته : يا سيدنا , إن نظرة إلى العالم من الأعلى لهو شيء رائع جدا لو رأيته يا سيدنا
أجابني هادئا :و لكن نظرة من القلب أصدق ,
: أنت تراني ( بصيرا ) كما ترى و لكنني أستطيع أن أرى أكثر مما تراه أنت يا بني
: لا تسترب هكذا من كلامي غدا سترى بعيني ما أراه أنا في الظلمة التي تظن أنت أنني فيها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان الشيخ يحذرنا من شيء آخر وهو أن ندخل قسم المسجد الآخر حيث يجلس الشيخ عبد الرحمن الكبير , و كنت لا أفهم لماذا يمنعنا و مجلس الشيخ عبد الرحمن مجلس ذكر و علم يحرص كثيرون من أهلنا أن يحضروه و كثيرا ما كانوا يتحدثون عن الشيخ عبد الرحمن و زهده العظيم و علمه العظيم وكراماته العجيبة .

كان يوما رائعا هو يوم المئذنة هذا لا أزال أذكره و أجدد ذكراه كثيرا , و لكني أزمعت أن أجرب حلقات الشيخ عبد الرحمن كما جربت صعود المئذنة مخالفا سيدنا .
كان قد مضى على حضوري إلى الكتاب ثلاثة أعوام وصرت أجيد القراءة والتجويد كسيدنا و أحفظ عدة أجزاء من القرآن .
و حدثت نفسي : لابد أن أحضر حلقات الشيخ عبد الرحمن .
التفت إلي الشيخ و فاجأني
ألا يكفيك ما تجده معنا هنا يا كريم الدين ؟
و أكمل : ستجد كل ما تبحث عنه معي يا كريم الدين , فلا تعجل ,
: ولكنني يا سيدنا أريد أن أحصل علوما أكثر ,
: يا كريم الدين إن القرآن علم العلوم جميعا و به تحصل كل علوم من تريد الالتحاق بهم ,
نعم يا سيدنا و لكني أريد الاستزادة !!!
يا كريم الدين لا تضيع وقتك في الفضول و لا تـتبع الشواغل و لا تنصرف عن الطريق الأساس إلى الأفرع فالطريق الأساس أسرع وصولا .
نعم يا سيدي و لكن للشيخ كرامات أريد أن أعلم علمها .
يا كريم الدين للكثيرين من كل دين أشياء عجيبة و لكن الحقيقة أجلى . , أنت بالحقيقة يا بني قادر على أن تصل إلى أبعد من ما تراه , أتفهم ؟!! أبعد ما أي شيء يمكنك أن تراه .
:نعم يا سيدنا أبعد من ما يمكن أن تراه !!!!
، يا كريم الدين زر حلقات الشيخ كما كنت تنوي و بعدها نتحدث .


<<<< الشيخ عبد الرحمن >>>>

كان الشيخ عبد الرحمن شيخا طاعنا في السن أبيض الوجه مشعا بالنور لحيته بيضاء مشعة يلبس ثوبا مرقعا برقع كثيرة لا تكاد تعرف أين الثوب و أين الرقع . ذهلت حين رأيت الشيخ و ابيضاض وجهه ولحيته , كان ينطق بكلام فتحس الدنيا مختلفة تحس بروائح الجنات في مجلسه تشم روائح الفاكهة تشم عطورا جديدة عطورا مبهجة , تسمع تسابيح و زقزقة طيور و تخضر الدنيا من حولك فتحار في أي عالم أجلس وينظر الشيخ إلى عينيك فكأنه ينظر إلى قلبك يكاد يمسح عنك همومك , يكاد ينسيك الدنيا خارج قاعة ذكره , تَهَالُك الأنوار و الأعطار و الأطيار والأذكار والخَضَار و النهار فأنت في دنيا بلا جدران حين تكون في حضرة الشيخ .
و ما إن تخرج من حلقة الشيخ حتى تعود إلى دنياك كأن قاعة الشيخ عالم آخر , لماذا لا أستطيع أن آخذ كل هذه الأشياء الجميلة معي لماذا لا أستطيع أن أرى النور الذي كنت أراه حين كنت بحضرته الآن لكنني أرى النور الذي بداخلي الذي زودني به سيدنا في الكتاب ,إنني بالنور الذي في قلبي أستطيع أن أجعل العالم دنيا نور ,إنني أستطيع أن أغير الدنيا !!!!!
: لكن ما أبهج حلقات الشيخ ,
ما يضيرني لو حضرت مع سيدنا و استتمت علومي معه و حضرت حلقات الشيخ و ابتهجت بتلك البهجة التي أحسها وأنا هناك.


ـــــــــــــــــــ
<<< لا تتبع السوانح >>>


مرت أيام مبهجة كثيرة حضرتها في حضرة الشيخ عبد الرحمن و أيام منيرة كثيرة في كتاب سيدنا الشيخ طه , عرفت فيها الكثير من الحقائق كانت كلمة قالها لي سيدنا في الكتاب
قال لي : يا بني لا تتبع السوانح
فصرت لا يغرني أن أجد شيئا رأيته يتحقق أمامي ,
صرت لا أفرح بعلمي شيئا لا يعلمه غيري ,
صرت لا أفرح بأن تحقق لي ما طلبته ,
فكل سانحة لا أدري أهي خير أراده الله بي , أم ابتلاء ابتلاني الله به ,
صرت أعد كرامات الشيخ عبد الرحمن سوانحَ مبهجةً لا أدري أفتنةٌ فُتنَ بها مريدوه أم رحمةٌ يرحمهم الله بها ,
صرت أعرف عدد الرقع التي في مرقعة الشيخ و صرت رفيع المقام في حضرة الشيخ عبد الرحمن لا بعلم علمنيه الشيخ عبد الرحمن ولكن بعلم الله الذي علمني إياه سيدنا في الكتاب .
كان سيدنا في الكتاب يعلمني أن كل كلمة تحمل في ذاتها معاني من ذات ناطقها و أنني أستطيع أن أقرأ كنه صاحبها و مكنونه , كان سيدنا يعلمني أن بالإرادة تتغير الدنيا إذا عملت للإرادة عملا ينجح مقصودها فيَّ
علمني سيدنا سر الوجوه ـ وهو الذي كان لا يرى الوجوه ـ وما أعجب ما كان يقوله لي
صار كلام سيدنا علوما لا أجدها في كتب .
عن الوجوه المتشابهة وأن تشابه الوجوه يعطيك معنى عن تشابه فعال أصحابها كفراسة العرب الناجعة الآثار
و كان سيدنا يعلمني عن الفأل الموكول بالمنطق كالألمعية العربية التي تنبيك نبأ ما لم تكن حاضرا لتراه علمت يومها معنى بيت أَوْسِ بْنِ حُجْرٍ القائل :


الألمعيُّ الذي يَظُنُّ لَكَ الظَّنَّ
كَأنْ قَدْ رَأى و قدْ سَمِعا


علمني سيدنا أنك لو بحثت في الكلام فستجد أن كلام الإنسان قد يعطيك كثيرا عن الطبائع و المقدمات و ربما أنبأك بالنتائج إن أحسنت اقتناص الفأل الموكول بالكلام , كان يحدثني عن خلق الله للعالم و عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تصور الملكوت ويحدثني عن حديث الإسراء والمعراج وعن تصور الزمن في العالم وتصوره في ملكوت الله .
لم أسمع بهذه العلوم من أحد سوى من الشيخ .


-------------------------
<<<< المرقعة >>>>


كنت أساعد صحبي في حضرة الشيخ عبد الرحمن في إضافة المرقعات في مرقعة الشيخ كنت أعلم أن المرقعة هي ميراث شيوخ الصوفية يتبادلها الشيوخ مع التلاميذ منذ عدة مئات من السنوات , فحين يموت الشيخ يلبس تلميذُه الأقرب إليه مرقعته و يظل يرقعها إنها رقاعٌ على رقاعٍ على رقاعٍ ولم يعد هناك ثوبٌ أصليٌّ بل بليت رقاع المئة الأولى و رقاع المئة الثانية إنها رقاع تحمل عرق و دماء و عطور الشيخ و هي لا تغسل أبدا تحمل في ذاتها بركة الشيخ منذ أقدم الشيوخ ,
لا أدري من أين بدأت هذه المرقعة ومن أين أتت الفكرة ربما جاءت حين أهدى الإمام أحمد بن حنبل ثوبه الذي كان يعذب فيه إلى الإمام الشافعي رحمهما الله فغسله الشافعي و اغتسل بالماء المغسول به الثوب تبركا بالإمام أحمد وبعذابه و لبس الثوب .
و المرقعة دائرة تحمل بركة الشيخ و عرق الشيخ وعطره و ربما تحمل أمراضه والناس بها يتباركون .
كنت أساعد في ترقيع المرقعة وخلال عمري رقعتها عدة مرات , أضفت إليها رقاعا في عهد الشيخ عبد الرحمن رحمه الله و أضفت إليها رقاعا في عهد الشيخ حسيب بن عبد الرحمن .
كان شيخي طه يقول لي :
يا كريم الدين علم الحقيقة ليس بما تراه و لكن بما تبصره
و البصيرة يا بني أبصر من البصر
فما احتفالك بزينة أو بلباسٍ تحمل في ذاتك عكس فحواه .
كن يا بني مع الحقيقة التي هي شمس الله , شمس الله ظاهرة شديدة واضحة صحيحة لا تحتاج شيئا لتكون به مشرقة .
أشرق بذاتك لا بذات أحد سواك أشرق بنور الله يا بني لا بثوب و لا بشيء و لا تـتبع السوانح .
وما يدريك لعل السوانح صنائع وحبائل .
يا بني لا تكن مظهرا أبدا .
كن بالإرادة ربانيا وأخلص الإخلاص لله و أخلص العمل لله وأخلص الدين لله و الإخلاص يا بني ينفي الزوائد .
كان الشيخ عبد الرحمن يقول لنا , التصوف معناه الإسلام .
كان شيخي طه يقول لي : أقولها لك يا بني لما تسمي الأشياء باسمين ؟؟!!
يكفي الشيءَ اسمٌ واحدٌ خالص , ألم أقل لك الإخلاص هو الخلاص .
ــــــــــــــــــــــــــــ
<<<< المشاؤون في الظلمات >>>>


أنا أريد البهجة و لكن شمس الله هي البهجة العليا أنا أريد النهار والخضار و الأعطار والأثمار وصوت الأطيار و لكن دنيا الله فيها كل هذا على الحقيقة إن كان الإخلاص موجودا إن كان الناس على الخير الذي يحب الله .
و ما الزهد الذي في المرقعة التي بلي ثوبها الأساسي ولم يعد إلا الرقاع و الرقاع لم يعد منها إلا الرقاع و الرقاع لن يعود منها بعد قليل إلا رقاعٌ جديدة .
أنا أريد الثوب الأساسي نجدده من نسج قطن نما تحت شمس الله التي تشرق كل يوم جديد جديدة قوية مشرقة و ما انتفاع أخي المرقعة بمرقعته وقد ذاب ثوبها الأساس و امتلأت بالمرض و المرض ينتقل من شيخ إلى شيخ .
ما أعجب هذه المرقعة !!!!
إن من يلبسها يكاد لا يستطيع أن يبوح بما يحس به وهو فيها , أيتألم , أيحس بوخز شوك صوفها الخشن أيحس بتقرحات الأجساد التي لبستها .
كانوا يقولون , المرقعة سر الشيخ و سر الشيخ في المرقعة ,
المرقعة هي المرض الذي يتوراثه الشيوخ ,
أظن أنه حان الحين ليعلن أحدٌ سرَّ المرقعة التي قيدتهم عن البوح بآلامهم و كان سرها كامنا فيها أنها سجنُ من يلبسها و قيده و خَرَسُهُ .
الشيوخ الصابرون على ابتلاء المرقعة و قيودها آن لهم أن يخرجوا من المرقعات إلى ثياب , أقل ما فيها أنها تساعدك على صفاء ذهنك لتفكر في الله
وأنت صحيح
وأنت حر
و أنت مشرق تحت شمس الله
تساعدك أن تفكر في الله و لله
لا تفكر في مصائب المرقعة التي تزداد كلما مر الزمن فهم يكادون يقشرونها من على جلد لابسها وقد اسلم الروح إلى ربه , وكراماته إنما هي لصبره على بلاء المرقعة المنـتـنة بعرق مئات السنين من الأمراض .
كان شيخي في الكتاب يقول لي أشرق على الناس رحمة إن استطعت وإن لم تستطع فأشرق رحمة على نفسك إن استطعت فإن أحاطتك ظلمات الناس فاستعن بالله تشرق عليك شمس الله في الظلمات ألست ترى : أنْ بَشِّرُوا المشائين في الظلمات بالنور التام .
بشراك بالأنوار كل هذه الظلمات تحيط بنا .

تعليقات

المشاركات الشائعة