ذكريات قلب قلوق
كلُّ هذي العصافيرِ تسكنُ قلبي
لابدَّ أنَّك يا قلبُ غابةْ
هل رأتكَ العصافيرُ
ساكنة فيكَ إخوانُها والرتابةْ
هل رأتْكَ العصافيرُ
فزَّاعةً
فقدتْ لونَها
بليتْ خرقةٌ فوقَها
فقدتْ في الذي فقدتْه
المهابةْ
أم رأتْك العصافيرُ
درباً منَ الصدحاتِ
تحلِّق حدَّأةٌ فوقَه
فتزيدُ الكآبةْ
هل رأتْك العصافيرُ
بيتاً من الحزنِ
قالوا تعالَوا
لنشْدُ لهُ
علَّ في شدوِنا ما يزيلُ اكتئابَه
هل رأتكَ العصافيرُ
مثلَ رجالِ الجنوبِ
يغنُّونَ أحزانَهم
فأرادتْ تثيرُ الحنينَ بداخلكَ
ابتدأتْ لحنَها
فأتى لحنُها كأنينِ ربابةْ
أم رأتْكَ العصافيرُ
من قيل فيه
امرؤٌ تأكلُ الطيرُ من رأسِه
فأتَتْ علَّها تجدُ القوتَ عندَ امرئٍ
ما نهى سائلا
لا ولا منعَ النازليَن وِطَابَهْ
أمْ رأتْك العصافيرُ
وهْيَ محلقةً في السماءِ
رأتْكَ سحابه
****
كل هذي العصافيرِ تسكنُ قلبي
لابدَّ أنَّكَ يا قلبُ مسجدُ
كان فيه الشداةُ
الذين يغنونَ
ترنيمةً مرغتْ في ترابِ البلادِ البعادِ
و في الذكرياتِ الحنيِن
عذابِ السنينَ
حكاياتِ كلِّ امرئً كانَ يغرُدْ
مسجدٌ هجرتْهُ العباداتُ
لا يذكرُ العابدين
مضوا راحلينَ
وكلُّ سناءِ العباداتِ ينفدُ
هاجمتْه الرياحُ
ابتلته الجراحِ
هوى في مروجِ الحنينِ المؤبَّدْ
صار بحراً من الأغنياتِ الصدى
مترعاً بأنينِ المدى
صار فدفدْ
صحراءُ الخرافاتِ
لا تمنحُ الراحلين بها
أيَّ ساعِة ضحكٍ لنسْعدْ
زرعتْ شجراْ من رمادٍ
إذا لمستْهُ السعادةُ ينهدْ
مسجدٌ فوقَ تلٍّ صغيرٍ
وبيتٌ غريرٌ
على هضبةٌ للتباريحَِ يرقدْ
مسجدٌ سكنته العصافيرُ
آمنةً كيفَ تَنْشِدْ
تُنْشِدُ
تَنْشُدُ
لا فرقَ بين نشيدٍ
ونشدانِ شيئٍ
فكلُّ السعاداتِ َتبعُدْ
أنتَ يا قلبُ
مسجدُ قومٍ مضوا
فادعُ للهِ أنْ يبعثُ القومَ
أو يبعثُ الآخرين
إليكَ
لعلَّ العصافيرَ في أمسياتِك تغرُدْ
*******
كل تلك العصافير تسكن قلبي
لابد أنك يا قلب وادٍ عتيقْ
كم يمر عليك سحاب
فلا تمطر السحب
لا ينضر الحب
لا يفرح القلب
لا يطلع الزهر
ما فيه إلا التماعُ البروقُ
والرياح تغني به الأغنيات الحزينةَ
تبعث ميت الرمالِ
تدق على باب قلبي القلوقْ
والصقورُ محلقةٌ
تترك الأرض يا ليتني
أترك الأرض
مثل الصقور
أطيرُ
أطيرُ
ليسكت على ذلك القلبِ ذاك الخفوقْ
ليتني أسكن الآن
قلب العصافير
أهوي مع النور
نحو بلادي التي نحوها كم أتوقْ
اسكتن يا خفوق
إن تلك العصافيرَ
تسكن قلبي
تثير الدموع بهدبي
تجدد حزني
وتبعث لحني
حزينا مشوقْ
*****
العصافير نابتة في زمان الجروحِ
كدفقة روحْ
فمتى يستريح
متى نستريح
متى أستريح
وزمان البعاد زمان طروح
فمتى يهدأ القلبُ
كي تستقر العصافير في باب ريح
ففؤادي طريح
كم رمته الحكاياتُ في ليلها المستبدِّ الجموحْ
*****
العصافير تنبت في قلبنا كي تغني
العصافير تسكن قلبي
تردد مثل المغارات لحني
وتجددني في الزمان العصافير
تمنحني ألفَ أذنِ
فلها كلُّ ما يسعُ القلبُ
من شكلِها
إنَّها اكتشفتْنِي
*****
كل تلكَ العصافيرِ
تلك الحكاياتِ
ذاك الأسى يسكنونْ
إنني مفردٌ في زمان الظلامِ
بدون أساتي
وماليَ صوت به يهتدون
أخرسٌ
صنمٌ
كالذي شرحتهُ الحكاية
كان لدى صمته
ذائبا في الشجون
أخرسته الجناياتُ
أبعدت الناس عن جوهِ
فهو خاوي الغصون
كان قلبي لها فجرت
هاجرت
هجرت
وحدتي
كالشجون
إذا اشتجرت
فمتى ترجعين
إنني الآن زينت قلبي لها
كي تعود مع العيد
في الزهر
فلترجعي
بربك هل ترجعين
كل تلك العصافير
أنبتها الحزن في القلب
قلبي إذا منزل للشجون.
***************
كلُّ تلك العصافيرِ
تسكنُ قلبي
لابدَّ أنك ياقلب صب
هجرتْك الحبيبةُ
ودعتها
وبنيتَ بيوتَ العصافيرِ في كلِّ دربْ
وملأتَ فراغَ المنى
بالحكاياتِ
بالأغنياتِ
وبالصبرِ
لا صبرَ ينفعني
حيث ليس يساعدُني أيَّ قلبْ
واقفٌ في هجيرِ الحياةِ
يحاربني تعبي
وعذابُ سنيَن طوالٍ
دأبْتُ بها
ساعياً دُونَ سِرْبْ
واقفٌ صنماً
مرَّغتْ أنْفَهُ الريحُ بالتربِ
لم يحْنِ جبهتَهُ للرياحِ العواصفِ
أو لرياحِ العواطفِ
لا
لا تسلْ كيف جاء إلى الأنفِ تٌرْبْ
سَكَنَتْ في تجاويفِ عينيه
أعشاشُ بعضِ العصافيرِ
فهْيَ تغطِّيه
أصواتُها
عندَ عودتِها في المساءِ
وأفراحُها عند رحلتها في الصباح
وأفراخُهاُ قد محت كلَّ كرْبْ
بدَّدوا حوله الصمتَ
إذ يبذرون به شقشقاتِ الصباحِ
على قلبه
شقشقات المساءِ على عينهِ
وتهبُّ عليه الأغاريدُ من كل صوبْ
وحدهُ َواقفٌ
والزمانُ يدورُ
يدورُ
يدورُ
فمن موقفٌ دوراتِ الزمانِ
الذي يطحنُ القلبَ كي لا يحبّْ
صنمٌ من ترابِ الزمانِ القديمِ
زهتْ في ذراعيه بعضُ الورودِ
وفي قلبِه نبتَتْ نخلةٌ
وفي الروحِ نابتةٌ توتانِ
وفي الرئتينِ ابتدا برعمانِ
فكانَ لها في العيونِ ارتفافةُ هُدْبْ
أنتَ يا صنمَ الذكرياتِ
اتركِ الذكرياتِ
تمرُّ عليكَ لدى النارِ سحبْْ
تمرُّ عليكَ لدى النارِ سحبْْ
ربَّما تُسقطُ الذكرياتُ عليكَ
رذاذَ سرورٍ
رذاذَ سرورٍ
فتنْبُتُ روحٌ
وتهوِي جروحٌ
وتَملأُ أحلامُنا كلَّ دربْ
ولكَ اللهُ يرسلُ فيكَ الحياةَ
فتمشي
وتتركُ أرضَ الترابِ
زمانَ العذابِ
إلى زمنٍ في الحكاياتِ عَذْبْ .
*****
الأربعاء 28 أبريل 1999 م
تعليقات
إرسال تعليق